(الجزء الثاني)
كبرت سارة قليلًا، لكن الإحساس لم يتغيّر.
لم يكن مرحلة عابرة، بل حالة ثابتة،
تُعاد يومًا بعد يوم بأشكال مختلفة.
لم تعد تنتظر كلمة حنان،
صارت تنتظر فقط ألا تكون موضع لوم.
في أحد الأيام، كان البيت يستعد لاستقبال ضيوف على الغداء.
منذ الصباح، كانت سارة تتحرك في صمت:
تنظّف، ترتّب، تمسح الأرض،
وتفعل كل ما يُطلب منها دون تذمّر.
وعندما حان وقت الغداء،
طلبت منها الأم أن تُحضّر السفرة.
وقفت سارة أمام الطاولة طويلًا،
رتّبت الأطباق بعناية،
نسّقت الألوان،
وحاولت أن تجعل كل شيء “كما ينبغي”،
حتى لا تُؤخذ عليها ملاحظة.
دخل الضيوف،
وجلست العائلة حول السفرة.
نظرت الأم إلى الطاولة نظرة سريعة،
ثم قالت، بصوت مسموع للجميع:
الأم:
إيه التنسيق ده؟
هو ده شغل؟
مش عارفة ترتّبي سفرة عدلة؟
تجمّدت سارة في مكانها.
حاولت أن تبتسم،
لكن الابتسامة لم تكتمل.
سارة (بصوت منخفض):
أنا حاولت أظبطها…
قاطعتها الأم دون تردّد:
الأم:
ما هو واضح.
إنتِ طول عمرك مهملة،
لا في ترتيب، ولا ذوق.
ساد صمت ثقيل على الطاولة.
إحدى الحاضرات حاولت تغيير الموضوع،
لكن الكلمات كانت قد وصلت.
لم يكن الإحراج في النقد،
بل في كونه علنيًا،
أمام عيون تراقب،
ونظرات تُقيّم.
خفضت سارة رأسها،
وسحبت الكرسي وجلست في صمت.
لم تأكل كثيرًا،
لم تتكلم،
ولم تحاول التبرير.
تعلمت أن التبرير لا ينقذها،
بل يضيف سببًا جديدًا للاتهام.
بعد انتهاء الغداء،
دخلت غرفتها وأغلقت الباب.
جلست هذه المرة أمام المرآة.
نظرت إلى نفسها طويلًا،
وشعرت بشيء لم تختبره من قبل بوضوح:
الخجل من ذاتها.
كبرت سارة،
وكبرت معها تلك اللحظات.
صارت تُبالغ في الترتيب،
تخاف من أي ملاحظة،
تُعيد العمل عشر مرات،
وتشعر أن أي نقص—even لو بسيط—
دليل إدانة.
في علاقاتها،
كانت تبذل مجهودًا زائدًا،
تعتذر قبل أن تُلام،
وتحمّل نفسها مسؤولية كل توتر.
لم تكن ضعيفة،
لكنها كانت تعيش وكأنها دائمًا تحت التقييم.
كانت تتحرك في الحياة بنفس الإحساس القديم:
أنها داخل دائرة مغلقة،
تحاول أن تُثبت كفاءتها،
لكن الحكم جاهز مسبقًا.
لم تفهم وقتها
أن المشكلة لم تكن في ترتيب السفرة،
ولا في ذوقها،
ولا في جهدها.
المشكلة كانت في بيتٍ
جعلها تشعر أن القبول مشروط،
وأن الخطأ منها لا يُغتفَر،
وأنها دائمًا مطالَبة بإثبات ما لا يُطلب من غيرها.
ومع كل سنة تمر،
لم يعد السؤال: لماذا لا أُفضَّل؟
بل أصبح:
كيف أعيش دون أن أُحرَج؟
يتبع… (الجزء الثالث والأخير)
حين تحاول سارة أخيرًا أن ترى نفسها بعينٍ أعدل.

