رئيس مجلس الادارة د. عبدالهادي الكناني
رئيس التحرير
ا/ مصطفى فتحي
🔥الأحدث
نادى الأدب بادكو ينظم أمسية شعرية احتفالا بذكرى ثورة يوليوالمحامية الحقوقية المتهمة بقتل والدتها..عندما تصطدم الشعارات بالواقع«ويبقى السؤال» يشعل تفاعل الجمهور.. تتر الموسم الثالث من «الكلام على مين» يخطف الأنظار ويثير الفضول قبل انطلاق الحلقاتصلة الرحم: الجسر الذي لا ينقطعالسند الحقيقي لحياتكمنعطف الحياةنادى الأدب بادكو ينظم أمسية شعرية احتفالا بذكرى ثورة يوليوالمحامية الحقوقية المتهمة بقتل والدتها..عندما تصطدم الشعارات بالواقع«ويبقى السؤال» يشعل تفاعل الجمهور.. تتر الموسم الثالث من «الكلام على مين» يخطف الأنظار ويثير الفضول قبل انطلاق الحلقاتصلة الرحم: الجسر الذي لا ينقطعالسند الحقيقي لحياتكمنعطف الحياةنادى الأدب بادكو ينظم أمسية شعرية احتفالا بذكرى ثورة يوليوالمحامية الحقوقية المتهمة بقتل والدتها..عندما تصطدم الشعارات بالواقع«ويبقى السؤال» يشعل تفاعل الجمهور.. تتر الموسم الثالث من «الكلام على مين» يخطف الأنظار ويثير الفضول قبل انطلاق الحلقاتصلة الرحم: الجسر الذي لا ينقطعالسند الحقيقي لحياتكمنعطف الحياةنادى الأدب بادكو ينظم أمسية شعرية احتفالا بذكرى ثورة يوليوالمحامية الحقوقية المتهمة بقتل والدتها..عندما تصطدم الشعارات بالواقع«ويبقى السؤال» يشعل تفاعل الجمهور.. تتر الموسم الثالث من «الكلام على مين» يخطف الأنظار ويثير الفضول قبل انطلاق الحلقاتصلة الرحم: الجسر الذي لا ينقطعالسند الحقيقي لحياتكمنعطف الحياة
🔥الأحدث
نادى الأدب بادكو ينظم أمسية شعرية احتفالا بذكرى ثورة يوليوالمحامية الحقوقية المتهمة بقتل والدتها..عندما تصطدم الشعارات بالواقع«ويبقى السؤال» يشعل تفاعل الجمهور.. تتر الموسم الثالث من «الكلام على مين» يخطف الأنظار ويثير الفضول قبل انطلاق الحلقاتصلة الرحم: الجسر الذي لا ينقطعالسند الحقيقي لحياتكمنعطف الحياةنادى الأدب بادكو ينظم أمسية شعرية احتفالا بذكرى ثورة يوليوالمحامية الحقوقية المتهمة بقتل والدتها..عندما تصطدم الشعارات بالواقع«ويبقى السؤال» يشعل تفاعل الجمهور.. تتر الموسم الثالث من «الكلام على مين» يخطف الأنظار ويثير الفضول قبل انطلاق الحلقاتصلة الرحم: الجسر الذي لا ينقطعالسند الحقيقي لحياتكمنعطف الحياةنادى الأدب بادكو ينظم أمسية شعرية احتفالا بذكرى ثورة يوليوالمحامية الحقوقية المتهمة بقتل والدتها..عندما تصطدم الشعارات بالواقع«ويبقى السؤال» يشعل تفاعل الجمهور.. تتر الموسم الثالث من «الكلام على مين» يخطف الأنظار ويثير الفضول قبل انطلاق الحلقاتصلة الرحم: الجسر الذي لا ينقطعالسند الحقيقي لحياتكمنعطف الحياةنادى الأدب بادكو ينظم أمسية شعرية احتفالا بذكرى ثورة يوليوالمحامية الحقوقية المتهمة بقتل والدتها..عندما تصطدم الشعارات بالواقع«ويبقى السؤال» يشعل تفاعل الجمهور.. تتر الموسم الثالث من «الكلام على مين» يخطف الأنظار ويثير الفضول قبل انطلاق الحلقاتصلة الرحم: الجسر الذي لا ينقطعالسند الحقيقي لحياتكمنعطف الحياة
مقالات
مشاركة فيسبوك
مشاركة واتساب
مشاركة تويتر
إلى محبّي النّقد الأدبيّ
البورتريه:أرجوحة بين الجماليّ والوظيفيّ:
قسم نظريّ:
1/ ماهية البورتريه:
لقد شغلت الفنون مكانة مركزيّة في الجماليّات الحديثة.فتعدّدت التّعريفات واختلفت الصّياغات حدود الاختلاف.ولم ينفلت فنّ “البورتريه” من الضّبابيّة والازدواجيّة بوصفه نوعًا متكاملًا في اطار العمل الفنيّ والإبداعيّ، ونوعًا مستقلًا في الوقت ذاته. وانطلاقا من ذلك يصبح “البورتريه ” مجالا للتّأويل له آليّاته وغاياته .فهو اختيار واعٍ من قبل الفنّان التّشكيليّ لتقديم شخص يمتلك مظهرا معيّنا أيّا كانت درجة الواقعيّة في العمل،وهنا يتمّ التّركيز على الشّخصية في بعدها الوجدانيّ من خلال وضعها، وهيئتها وتعابير وجهها باعتماد تقنيات كالألوان والأشكال والأضواء والخطوط ، الأمر الذّي يستدعي امتلاك قدرة تخييليّة دقيقة ومتكاملة، مع العلم أنّ “البورتريهات” المتخيّلة تبدو حاضرة على مستوى أنواع عدّة من النّصوص الفنيّة والأدبيّة والتّاريخيّة دون أن تكون منتمية لأيّ منها ودون أن تكون نوعا مستقلاّ تمام الاستقلال عن أيّ منها، ومن هنا تُطرح مشكلة تصنيفها. ويرى النّقاد أنّ “البورتريه “مساحة فنية متّسعة تألّقت وتطوّرت عبر التّاريخ.فهو يتجاوز الاطار الخارجيّ للشّخصية بما يجعله تعبيرًا عن الانفعالات الدّاخلية، فهو أيقونة التّعبير عن المشاعر في حالات وآفاق وملامح من الرّوح والصّورة إلى الشّكل والمعنى: كالصّمت البليغ والتّأمل، والتّفكير والسّخرية، والشّاعريّة، وقد يعكس الدّهشة وذلك وفق تنوّع الملامح الانسانيّة وثراءها من شخصيّة إلى أخرى.ولقد تأرجحت الصّورة الشّخصية بين الضّرورة الفنيّة من جهة والحتميّات الدّينية من جهة أخرى، والأعراف الاجتماعيّة من جهة ثالثة.
2/بورتريهات تغرينا:
إنّ التّاريخ الانسانيّ في تنوّع مظاهره شاهد على عظمة الفعل ، فعل يرسم في أسمى معانيه رغبة الانسان في تحقيق كينونته من ناحية ، وقهر الموت من ناحية أخرى ، علّه يحقّق الخلود بعد الرّحيل إلى مدن النّسيان.وهو ما يتجلّى على سبيل الذّكر لا الحصر في صور الفراعنة على الجداريّات وفى مجسّمات وتماثيل في مدينة الأقصر، ما يؤكّد عمق الشّخصية في الفنّ المصريّ القديم، وقدرة الفنّان في ذات الحين .وهو ما نستجليه في جميلة الجميلات “نفرتيتي” في أكثر من وجه أشهرها التّمثال الموجود بمتحف “برلين،” والذّي يعرفه العالم أجمع كواحد من أعظم التّحف الفنيّة للتّعبير عن الجمال وسموّ التّقاطيع، كما تمثّل وجوه الفيوم علامة أخرى في تاريخ البورتريه .فهي تنقلنا إلى دنيا من السّحر الكونيّ وآفاق ما وراء المادة.
أمّا في النّحت الإغريقيّ فللــــــ”بورتريه ” مكانة كبيرة من حيث الكمال الكلاسيكيّ في الأداء. كما في تمثال “أفروديت ” للفنّان “براكستيلي” بمتحف “الفاتيكان”
ولا ننسى لوحة “الموناليزا” وتمثال” داود” وتمثال “موسى” الذّي يُعدّ بمثابة بركان بشرىّ يتهدّد العُصاة، وهو نموذج للقوّة الجسديّة بملامح الحكمة والوقار . فـــــ”البورتريه” – من هذا المنظور – يُلهب الخيال والإحساس أكثر من أيّ شيء آخر.
ولا يجب علينا أن نتغافل عن حضور “البورتريه” في الوطن العربيّ وذلك بحضور أسماء كثيرة منها: الفنّان السّوري “لؤي الكيالي” ولوحاته: امرأة -عزلة – التّفكير العميق ولعلّ ذروتها لوحة “الخيّاطة “ذات الإيقاع اللّونيّ البرتقاليّ. وأيضا الفنّان السّوداني “ابراهيم الصّالحي” رغم تعبيريّته الخاصّة إلاّ أنّ له تقاليده وقيمه الفنيّة كما هو الحال في “بورتريه ” “سوداني” الذّي يغلب عليه الأبيض رمزًا للنّقاء في أماميّتة وفي الخلفيّة..
وكذلك الفنّان “أحمد بن يسف”” المايسترو” والذّي يُعدّ من أبرز الرّموز الفنيّة في المغرب ويتميّز “البورتريه “معه بأناقة اللّمسة ورصانة الأداء واتّزان التّلوين كما في لوحة “الشّيخ” في مسحة من الوقار بالطّربوش والعصا. أمّا في الفنّ المصريّ المعاصر والذّي بدأت ملامحه مع “أحمد صبري”. تنفرد “الراهبة” “رائعته بأسلوب لا نجد له مثيلًا بين لوحاته، فما من لوحة مصريّة تشاركها هذا التّألق الصّوفي والجمال المثاليّ، وهذا السّحر الكونيّ، بحيث تستلم اليدان الكتّاب المقدّس في وداعة وسماحة يسمو فيها الرّأس في شموخ وكبرياء….
ولا يفوتنا أن نذكر هاهنا أعمال “عزّ الدّين حمّودة ” الذّي أظهر اهتمامه بكلّ عنصر من عناصر اللّوحة، وأيضًا بوضع الأنموذج وجلسته واختياره لأجمل الأزياء والحليّ والمجوهرات .فاستخدام رقائق الذّهب والفضّة كخلفيّات للوحاته ومن بين أعماله “فاتن حمامة” و”هدى شعراوي.”.وقد أجزم “. ولا ننسى “بورتريه” الفنّانة التّشكيليّة التّونسيّة”درصاف الطّرابلسي” “نفرين النّوبيّة الذّهبيّة”.
وقد أكّد “ليف فيغوتسكي”(1896–1934) (عالم النّفس السّوفياتي ومؤسّس نظريّة النّمو الثّقافي–الاجتماعيّ) في كتابه “سيكولوجيّة الفنّ” (1925) أنّ “البورتريه” ليس وصفا للجمال فقط، بل هو تفكيك آليّاته النّفسية لإعادة تشكيل انفعالاتنا فالخطوط لغة، والألوان نغمات للعاطفة”(ص9). فالفنّ مهما كان يرتبط حتما بسياقه الثّقافي، مؤكّدا أنّه لا ينفصل عن “شبكة الرّموز والقيم التّي أنتجته”(ص18). ويرى أيضا أنّ” البورتريه” لوحة تشكيليّة ، إنّها “فنّ يحرّرنا من أسر مشاعرنا، لأنّه يعيد صياغتها،وخلقها، وحين نعيد تشكيل الفنّ، نعيد تشكيل ذواتنا أو ذوات الآخرين بتقنيات لها تصّوراتها وغاياتها”(ص27) وذلك من خلال طيّات الألوان وثنايا الخطوط والتّباينات اللّونية والضّوئية.إنّها متضادات تخلق في ما بينها انعكاسات تجعل العين تتموّج بين الأعماق وثنايا الألوان والأشكال.
3/البورتريه روح تغازل المتلقّي :
وإذا ما نظرنا إلى “البورتريه” من وجهة نظر سيميائيّة باعتباره حقلا انطولوجيّا وميتافيزيقيّا تتفاعل على ضوءه أنظمة لغويّة ودلاليّة وإشاريّة ورمزيّة(لبنات اللّوحة) لتشكّل مجتمعة بنية ذات طابع تشفيريّ بوصفه الصّفة الغالبة على الفنّ التّشكيليّ. فاللّوحة لا تشبه كلّ تفاصيل الشّخص المقصود “الموضوع”، بل تأخذ سمات الفنّان وخصائصه الإبداعيّة إلى جانب الموضوع الأساسيّ.فإستيتيقا الألوان تبدو في ّ”البورتريه” كائنات حيويّة، يعيش كلّ منها بالتّضافر مع الألوان الأخرى. فتتبادل الخصائص اللّونية تراتبيّتها. إنّه ما يمكن أن ندعوه “روح اللّون”، وكلّ ما يحمل المشاعر إلى المتلقّي، الذي يلتقط الاهتزازات الموسيقيّة للألوان والخطوط التّي من خلالها أراد الفنّان تثبيت ذكرى وجودها في هذه الحياة أو في حيوات أخرى قبل أن يمحوها الوقت ويطويها النّسيان.هكذا يرى المتلقّى عمق “البورتريه “ودلالاته بشكل تفاعليّ يجعله يكشف عن كثير من الأمور، ومنها ذاك الحوار الذّي يمكن أن يجريه مع الصّورة الثّابتة، وإمكانيّة تخيّل استمرار الحوار معها على اختلاف الأزمان. وما يمكن إقراره عند هذا المستوى أنّه لكلّ فنّان أسلوبه، وطريقته في رسم “البورتريه” أو تشكيله،ولعلّ القدرة والإتقان على الإلمام بالتّقنيات المختلفة، وبسحر الألوان وتكوينها ومزجها وبالمعارف والمعايير الجماليّة، وسوى ذلك من الأمور التّي تجعل الصّور التّشكيليّة تتفوّق على الواقع لتسحر النّاظر إلى العمل الفنيّ بتلك الأشياء مجتمعة بكلّ دقائق تفاصيلها بدْءً بالوجه الإنسانيّ وصولا إلى كامل الجسد، أو إلى مختلف الأوضاع، التّي تمتدّ عميقا في التّاريخ، من خلال تعبيرها عن الخصائص الفيزيولوجيّة والنّفسية والرّوحية للأشخاص. فيدرك المتلقّي أنّ “البورتريه” قضيّة حوار متبادل، ولعبة ثنائيّة، لالتقاط حقيقة الواقع، وتثبيته بكلّ حساسيّة ويقظة وإبداع الفنّان ومهاراته في الولوج إلى أعماق الشّخص، فالقضيّة ليست نقل الواقع كما هو، بل أن يترك الفنّان أثرا هو حقيقة الموضوع، وهو في الوقت ذاته أسلوبه وقناعاته الجماليّة.فالتّجربة الجماليّة هي تجربة فرديّة من حيث التّحقُّق ولكنّ القيم التي يتمثّلها الفرد في هذه التّجربة هي قيم اجتماعيّة حاضرة في وعيه الجماليّ على صعيد البنية الثّقافية وبنية القيم الرّوحية والحاجة الجماليّة الانسانيّة في بعدها الشّموليّ والكونيّ.
تعرّف عليّ من أكون؟
نبذة شخصيّة:
فنّانة متعدّدة المواهب، شغوفة بالإبداع.تعمل منذ سنّ المراهقة على تطوير عالم فنيّ خاصّ بها. تعبّر عن نفسها من خلال الحرف اليدويّة وتصميم الأقمشة، وبشكل خاصّ من خلال الرّسم.وقد بنت من خلال شغفها مسارا غنيّ تميّزه مشاركات عديدة في معارض داخل تونس وخارجها، حيث قدّمت رؤية فنيّة تجمع بين الأصالة والحداثة.
*التّكوين:
– باكالوريا(سنة 1987 ) (معهد نهج الباشا).
– دبلوم في الخياطة الرّاقية وتصميم الأزياء والنّمذجة(ما بين سنة 1992-1995).
– دبلوم في الرّسم على الحرير والزّجاج(سنة 1999). المركز الايطالي (تونس).
*الخبرة المهنيّة:
-المديرة التّنفيذيّة- ورشة ومتجر إبداعيّ(سنة 2001).
-تصميم وصناعة فساتين زفاف والسّهرات – إشراف على العمليّات الإبداعيّة والإنتاج.
– تكوين في الفنون التّشكيليّة ( من 2019- إلى الآن).
– عدّة تكوينات ودروس خصوصيّة في مجال الرّسم
– تكوين في الرّسم- الجمعيّة التّابعة للشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز.(2020-2022).
-تكوين” Aykart” مع ” رندة عبّود”.
تكوين في المركز الإيطالي.
-ورشات متقدّمة( Masterclass).
– تكوين مع ” علي الزّنايدي ” (2026).
*المهارات:
– الرّسم بــــــــــــالأكريليك
– الرّسم الزّيتيّ
– الرّسم بالألوان المائيّة
– الرّسم بالباستيل الزّيتيّ
– الرّسم على الزّجاج
– الرّسم على الحرير
– الخطّ اليدويّ
– الحرف اليدويّة الفنيّة.
* الأنشطة الجمعياتيّة:
– الرّئيسة المؤسّسة نادي الرّوتاري قرطاج ديدون.
– رئيسة نادي الرّوتاري تونس/سكرة(ما بين سنة2012 – 2017).
* اللّغات:
– العربيّة
– الفرنسيّة
– الانقليزيّة.
* الاهتمامات:
– الرّسم التّوضيحي
-التّصوير الفونوغرافيّ
– الموضة والنّسيج.
ايّها المتلقّي تأمّل البورتريه:
“النّوبيّة الذّهبيّة”
بلاد النّوبة:
1/الموقع الجغرافيّ:
بلاد النّوبة هي المنطقة التّاريخية الممتدّة على طول نهر النّيل من الشّلال الأوّل جنوب أسوان شمالاً إلى جنوبي التقاء النّيليْن الأزرق والأبيض جنوباً. كانت بلاد النّوبة مقرّاً لواحدة من أقدم الحضارات في أفريقيا القديمة، وهي حضارة “كرمة “التّي استمرّت من حوالي 2500 ق.م حتّى غزوها من قبل المملكة المصريّة الحديثة تحت حكم “تحتمس” الأوّل حوالي 1500 ق.م. حتّى تفكّك المملكة نحو 1070 ق.م. وكانت النّوبة موطنًا للعديد من الإمبراطوريات القديمة، منها مملكة “كوش”، التّي غزت مصر سنة 727 ق.م. في عهد “بعنخي ” وحكمت البلاد باعتبارها الأسرة الخامسة والعشرين حتّى نحو 656 ق.م.
وتنقسم النّوبة إلى منطقتيْن رئيسيّتين: النّوبة العليا والنّوبة السّفلى، وقد تمّت تسميتها بذلك لموقعها في وادي نهر النّيل، وتقع النّوبة السّفلى والتيّ كانت تسمّى بــــ”الواوات” بين الشّلال الأوّل والثّاني، وتشمل هذه المنطقة جنوب مصر وشمال السّودان الحديث، في حين تقع النّوبة العليا والتّي سمّيت بـــــ”كوش” في عهد الأسرة المصريّة الثّانية عشرة وأسماها اليونانيّون ” إثيوبيا” بين الشّلال الثاّني والشّلال السّادس لنهر النّيل، أيّ في شمال ووسط السّودان الحديث. واليوم اقتصر لفظ النوبة على منطقة أصغر، تقع جنوب مصر وشمال السّودان.وقد تداولت على بلاد النّوبة عدّة ممالك منها المملكة: الأخمينيّة ، البطلميّة، الرّومانيّة ، المسيحيّة ، النّوباتيّة ، العربيّة والإسلاميّة.
وتعني النّوبة باللّغة المحليّة “نوب” أي”بلاد الذّهب”، ويُطلق على نوبة مصر اسم النّوبة السّفلى، أمّا العليا فتقع شماليّ السّودان، ولم يستطع المؤرّخون تحديد الحدود الجغرافيّة لبلاد النّوبة على وجه الدّقة، إذْ امتدت وتقلّصت على مدار الحقب والممالك التّاريخيّة المختلفة دون استقرار بيّن يمكن تحديده برسم خرائطيّ واضح.
2/ السّكان واللّغة:
تنقسم جماعات النّوبة إلى ثلاثة عروق، أوّلها وأعرقها “الفادجا” وهم السّكان الأصليّون للنّوبة، ويتحدّثون لغة خاصّة غير مكتوبة هي “الفاديجيّة”، أمّا العرق الثّاني فهو”الكنوز “وأصولهم من شبه الجزيرة العربيّة، ويتحدّثون “الكنزيّةّ، وثالثهم “النّوبيّون العرب” وهم يجيدون العربية مع بعض من “الكنزيّة” و”الفاديجيّة”، ولكلٍّ منهم تجمّعه الجغرافيّ الخاصّ، ولكنّهم يشتركون في العادات والتّقاليد سواء ما يتمسّكون به حتى الآن أو ما اندثر بفعل الزّمن.
3/ الأسماء النّوبيّة:
تتميّز الأسماء النّوبيّة بمعانيها العميقة المرتبطة بالطّبيعة حينا، وبالنّيل حينا آخر، وبالتّاريخ الفرعونيّ حينا ثالثا،. وتنقسم هذه الأسماء إلى فئات أساسيّة تعكس الهويّة الفريدة للمرأة النّوبية.ويمكن أن نذكر على سبيل الذّكر لا الحصر بعض الأسماء الأصيلة التي اندثرت أو ندر استخدامها مثل:
“هوشة ” ” أُرسد” ” تونجيلا” ” نقوتود” ” موركل ” ” سفورا” ” شاهاوه” ” برتودا” ” آشورا” “مياسة ” “نفرين ” .وهو عنوان بورتريه الفنّانة “درصاف الطّرابلسي” ، ومعناه زهرة ذات عبق.
4/ ملكات خلّدهن التّاريخ:
*أماني شاخيتي (Amanishakheto): عُرفت بقوّتها وثراءها، وتعتبر من أعظم ملكات الحضارة الكوشيّة. اشتهرت بمجوهراتها وكنوزها الأثريّة التّي اكتشفت في أهرامات البجراويّة.
*أماني تيري (Amanitore): حكمت في القرن الأوّل الميلادي واشتهرت كملكة محاربة وبانية عظيمة؛ حيث أعادت تشييد معابد الإله “آمون” بعد تدميرها.
وإلى جانب الملكات نجد “كنداكات”كان لمظهرهنّ طابع خاصّ، صاخب بالمجوهرات والخواتم ذات الشّكل الدّرعيّ، والعقود، والأساور والمجوهرات المحبّبة بإتقان ومطعّمة باللاّزورد الأزرق. وقد اهتمّت “الكنداكات” بالكنوز والمنحوتات النّحاسيّة وغيرها من التّحف المزخرفة التّي كانت تُعدّ رمزيّات دينيّة، وحتى الاَن هذه المجوهرات مدعاة دراسة من قبل المهتمّين بالاَثار حول العالم.
ويذكر أنّ لقب “كنداكة” نال رونقًا خاصّا بفضل ملكات نوبيّات على وجه التّحديد، لما لهنّ من تاريخ معمور بالإنجازات، وهنّ:
1/ كنداكة” أماني ريناس” : إحدى أشهر الملكات المحاربات في التّاريخ. قادت المعارك ضدّ الرّومان في القرن الأوّل قبل الميلاد وتمكّنت من إلحاق الهزيمة بهم وعقد معاهدة سلام بشروطها.
2/ كنداكة “أماني شاخيتي”: أوّل ملكة كوشيّة تحكم منفردة في القرن الثّاني قبل الميلاد، وتميّزت فترة حكمها بازدهار البناء والتّجارة. وقد بنت قصرًا ومعابد .
القسم الإجرائيّ:
استيتيقا لوحة “نفرين النّوبيّة الذّهبيّة”
1/خصائص الفنّ التّشكيلي:
ممّا لا جدال فيه أنّ بناء اللّوحة التّشكيليّة المعاصرة تسير وفق مدارس الحداثة وما بعد الحداثة، والتّي انبثقت عن عدّة نظريّات فلسفيّة أبرزها نظرية ” الفنّ للفنّ “، وهو ما أسهم في بروز هوّة بين رؤية الرّسام وذاتيّة تجربته البصريّة وبين التّلقي ، وذلك بالنّظر إلى الميولات الغامضة للاطار التّشكيليّ ، فالفنّان يرسم لأجل الرّسم قصد إثارة المتعة من خلال صوغ بلاغته التّشكيليّة ومقوّماتها من شبَه ومحاكاة واعتماد مختلف القيم الفنّية من أدوات محدّدة ومعيّنة لإنشاء العمل الفنيّ المعاصر الذّي لا يحمل رسالة محدّدة وواضحة
وإنّما يترك للمتلقّي آفاقا من التّأويل لا متناهية. ويشكّل الفنّ التّشكيليّ واحدة من أروع أشكال التّعبير البصريّ التّي تجمع بين الخيال والواقع. إنّه يتيح للفنّانين تحويل مشاعرهم وأفكارهم ورؤاهم إلى لوحات فنيّة تروي قصصًا وتقدم رؤًى جديدة للعالم من حولنا ، وذلك باستخدام الألوان والأشكال وعديد التّقنيات المُبتكرة. ويشمل هذا المجال العديد من الأنماط والاتّجاهات ، من الكلاسيكية وصولا إلى الحديثة.
وتتكوّن اللّوحة التّشكيليّة من مجموعة عناصر أساسيّة تتّحد معاً لتوصيل رسالة الفنّان .وتشمل هذه المكوّنات على:
1/ العناصر التّشكيلية (البصريّة)
– النّقطة: وهي أساس كلّ رسم وموضع بداية الخطّ.
– الخطّ: وهو مسار نقطة متحرّكة، يُستخدم لتحديد الحدود الخارجيّة للأشكال وإظهار الحركة والاتّجاه.
-الشّكل: وهو المساحة المحصورة بين الخطوط سواء كانت هندسيّة كالمربّع والدّائرة أو عضويّة.
– اللّون: إنّه العنصر الأكثر جذباً للانتباه، وله خصائص تشمل الدّرجة، القيمة، والتّشبع، وينقسم إلى ألوان باردة وأخرى دافئة.
– الظّل والنّور: وهما معا لإعطاء الأبعاد الثّلاثية وإبراز التّباين بين الإضاءة والعتمة والتّجسيم.
– الملمس: ويتعلّق بخصائص السّطح (ناعم، خشن، بارز) الذّي تدركه العين أو اللّمس.
2/ أسس التّكوين (التّصميم):
– الوحدة: تسهم في ترابط أجزاء اللّوحة لتصبح عملاً فنيّاً متكاملاً وغير مشتّت.
– توزيع بصريّ للكتل والألوان داخل إطار اللّوحة وقد يكون متماثلاً أو غير متماثل.
– التّباين: إبراز الاختلافات بين الألوان (الفاتح والغامق) أو الأشكال لجعل العناصر بارزة ومثيرة للاهتمام.
– التّكرار المنتظم للعناصر الفنيّة لخلق نوع من الحركة البصريّة.
– السّيادة تسليط الضّوء على عنصر معيّن ليكون نقطة الجذب الرّئيسية في اللّوحة.
وكلّ هذه التّقنيات مجتمعة تكشف عن أهميّة الفنّ التّشكيليّ في التّعبير الثّقافيّ.إنّها وسيلة قويّة لنقل تراث الحضارات قديمها وحديثها، وهي في ذات الحين تعبيرات اجتماعيّة ترد لتوثيق الأحداث التّاريخية، والإعلاء من قيم انسانيّة نبيلة كالحريّة، والعدالة، والحبّ والتّسامح…وقد تتجسّد هذه التّقنيات في الألوان الصّبغية عن طريق تطبيقها على القماش أو الورق أو أيّ سطح مستوٍ آخر مع أو بدون فرشاة (السّكين). ويمكن أيضًا استخدام الزّيت أو الأكريليك أو الألوان المائيّة أو الباستيل. ومن المعروف أنّ الفنّانين التّشكيليّين يستخدمون أي شيء من أسقف الكنائس والنّوافذ الزّجاجية والأرائك الملقاة في حاويات القمامة إلى أبواب الخزانة القديمة كسطح للرّسم. ويشمل هذا المجال من الفنون التّشكيليّة الرّسم باستخدام أقلام الرّصاص والعلامات وأقلام التّحديد وأقلام التّلوين والطّلاء والفحم… وكلّها
أدوات تستعمل في رسم البورتريه، والذّي يُعدّ تمثيلا لموضوع بشريّ معيّن .وقد يُنشئ رسّامو البورتريه أعمالهم عن طريق تكليفهم من قبل العامّة أو أناس معينّين، أو أنّهم قد يستلهمون الإعجاب أو المحبّة لموضوع ما.وهو ما كان مع الفنّانة “درصاف الطّرابلسي” مع بورتريه”نفرين النّوبيّة الذّهبيّة”.
2/ النّوبيّة الذّهبيّة وأبعادها الجماليّة:
لقد تمثّلت الرّسامة ” درصاف الطّرابلسي”بشكل جيّد الجوهر الدّاخليّ للموضوع ، وهو ما يشكّل عندها الحقيقة الواقعيّة وليس الأسلوب والتّفاصيل الخارجيّة.فأنشأت “للنّوبيّة الذّهبيّة” وجها مغرقا في السّمرة البعيدة كلّ البعد عن السّواد، سمرة خمريّة تغري ناظرها منذ أولّ نظرة، تأسره، تلاحقه حيثما ولّى وجهه. وتزداد هذه السّمرة جاذبيّة حين تطرق تلك النّظرة خجلا وحياءً، نظرة تلمّح ولا تصرّح، تقول ولا تقول، تنطقك إعجابا وسرعان ما تتركك بين العين والعين حيرانا.فالعيون هي المكان الذّي يبحث فيه الانسان عن مكامن النّفس وما تخفيه، إنّها تعبيرات تخلق فينا الدّهشة من خلال اختلافات وتوليفات لا حصر لها.ولا تكتمل الصّورة إلاّ بذاك الانسجام العجيب بين العيون الخجلى وذاك الأنف الشّامخ في كبرياء وأنفة ، مازاد “نفرين” رسوخا في الوجدان والعقل، سلبت لبّ رائيها وخلقت فيه من الرّهبة والرّغبة في ذات الحين الشّيء الكثير، رهبة لأنّه في محراب “نوبيّة” اختزلت فصولا من الحضارة، ورغبة في اكتشاف مواطن الجمال والخصوبة فيها، خصوبة اكتنزتها “درصاف الطّرابلسي “في شفاه مرسومة بدقّة تحاكي الخالق في خلقه كمالا واكتمالا، شفاه ذابت حلاوتها في سمرة بشرة تثير حيرة السّؤال ولا تشفي غليلك بالجواب، شفاه تقطر شهدا تمنّيك بالوصال ، ولكنّها سرعان ما تلقي بك في لُجج الحرمان سنينا وسنينا، تدعوك أنْ لبّ النّداء وحين تهمّ بذلك تألف نفسك تطارد سرابا…ولا تسل عن ذاك العنق الممشوق وكأنّه عنق شادن سابح في ملكوته، موشّى بالحليّ والحُلل،سلاسل من ذهب مصفّى تلتوي شعابها تطول وتقصر ليركن مداها أعلى الصّدر ويسمع رنينها وصداها بين نهديْن مكتنزيْن رفاعا إلى الأعلى قميصا التهم شعاع الحياة.إنّها سلاسل وكأنّها شلالات في حركتها تغازل قرطيْن مستديريْن بدقّة لا متناهية في طقوس عِشقيّة لا تُدرك لها ضفاف.وقد اختارت الفنّانة أن ترسم”نفرين” وهي “كنداكة” ذات حسب ونسب وشرف عظيم وأن توشيَ جبينها بغطاء يخفي تحته – حتما- جدائل شعرها الأسود الفاحم الطّويل، إنّه وشاح منمّق بشكل جماليّ له حضوره البارز من خلال تلك النّفيسة(بروش) كقرص شمس استقرّت في مجرّتها تنسدل عنها خيوط أو هي سلاسل بها كريّات بارزها تتدلّى وكأنّها عناقيد يستعذبها المتذوّق ، فتأخذه إلى ما يشبه السّحر .فتشفي نفسه ممّا تجد.
وقد سعت الرّسامة – وهي ترسم انبهارها بالنّوبيّة الذّهبيّة – أن تأخذنا إلى عالم من السّحر والجمال تحسّه الرّوح قبل أن تُدرك كنهه الأبصار في رحلة لها تجليّاتها الجماليّة ومياسمها الإبداعيّة من خلال اعتماد تقنية زيتيّة مع ورق ذهبيّ على الكنفا مستعملة الفرشاة حينا والسّكين حينا آخر، اختارت لها من المقاسات(35/25) ، مقاس اختزلت فيه بحنكة ملامح حضارة وملامح امرأة حمّلتها عديد الأبعاد والدّلالات في شكل حضور لونيّ له مميّيزاته وتأثيراته.
3/ الانعكاس اللّونيّ لعبة إغرائيّة
إنّ اهتمام الإنسان بالألوان اهتمام فطريّ، وحين يسعى إلى ملاءمته مع محيطه يكون أشبه بالسّعي إلى الكمال، وتختلف الألوان المفضلة من فنّان إلى آخر، وهذا يبدو جليّا في ذاك الانسجام أو التّنافر بين ألوانه وتأثير كلّ لون على الآخر وأيضا تأثير الألوان على النّفس البشريّة، وقد تمّ تقسيمها إلى ألوان رئيسيّة وألوان فرعيّة، وأيضا ألوان حارّة وأخرى باردة.
وقد مازجت الرّسامة في لوحتها “نفرين” بين ثلاثة ألوان:
1/لون الملامح:الأسود في غير سواد ،إنّه لون متأتٍ من خلط البنيّ مع الأزرق بمقادير جدّ دقيقة، وأرادت من خلاله رسم سِحنة النّوبيّات، اللّواتي لا تشبهنّ إلاّ أنفسهنّ على امتداد عصور وعصور؟
2/ اللّون الذّهبيّ :وهو المهيْمن في بورتريه”نفرين” يحمل أبعاداً فنيّة ونفسيّة عميقة، تتجاوز قيمته الجماليّة البحتة لتشمل الدّلالات التّالية:
– القدسيّة والرّوحانية: لقد ارتبط الذّهب تاريخيّاً بالهالات المقدّسة، ويعكس في اللّوحات الكلاسيكيّة والدّينية النّور الإلهيّ والسّمو الرّوحيّ.
– المكانة الملكيّة والسّلطة: إنّه رمز للثّراء، والقوّة، والنّفوذ، وقد اُعتمد في رسم الملوك والأباطرة لإبراز هيبتهم ومكانتهم الاجتماعية المرموقة.
– الخلود والسّمو: لون يرمز إلى التّرفع عن الفناء الماديّ، وتخليد ذكرى الشّخصية المرسومة .
وقد استخدام هذا اللّون في عدّة سياقات فنيّة رئيسيّة ك:
1/الفنّ البيزنطيّ وفنّ الأيقونات: استخدم الفنّانون أوراق الذّهب في الخلفيّات واللّوحات ليعكسوا “النّور غير المخلوق” ولإبراز الشّخصيات المقدّسة، ممّا يعزل العمل عن الواقع الماديّ ويربطه بالعوالم السّماوية.
2/ المرحلة الذّهبيّة (غوستاف كليمت): في الفنّ الحديث، أعاد الفنّان النّمساويّ “غوستاف كليمت” إحياء اللّون الذّهبي في أعماله الشّهيرة ليضفيَ طابعاً من السّحر، والرّومانسيّة، والغموض، جامعاً بين الروحانية والجاذبيّة الحسيّة.
3/ الخلود والقيمة: لطالما ارتبط الذّهب في الحضارات القديمة بالخلود والموت، واستُخدم في تزيين توابيت الفراعنة لضمان الحياة الأبديّة، وكذلك في الفنّ اليابانيّ القديم لترميم الفخار المكسور (تقنية الكينتسوجي) كرمز لتقدير الجمال في العيوب وإضافة قيمة وخلود للقطعة الفنيّة.
وقد وهب اللّون الذّهبيّ في بورتريه”النّوبيّة الذّهبيّة” مجالات تكوين وتفاعل لونيّ، وهو ما خلق تباينا بصريّا حادّا مع الألوان الأخرى(الأسود/الأخضر)، ممّا يجذب عين المشاهد فوراً إلى نقاط محدّدة في اللّوحة، كما استعملته الرّسامة خلفيّة ألغت من خلاله العمق المنظوريّ الواقعيّ،ما خلق مساحة مسطّحة ثنائيّة الأبعاد أبرزت الشخصيّة المركزيّة “نفرين” كما في أيقونات الفنّ البيزنطيّ. ونجحت بكلّ حرفيّة في توزيع رقائق ذهبيّة رقيقة جدّا على سطح اللّوحة ، ذات بريق عاكس قويّ سلّط الضّوء على وشاح الشّعر والملابس، ما أنشأ تباينا بين الجسد الأنثويّ والمكوّنات المحاذية له في اطار من الانعكاس الضّوئيّ السّالب للأنظار،تجسّد في تغيير زاوية ورؤية المشاهد، الأمر الذّي أضفى حركة وحيويّة داخل البورتريه.
3/ اللّون الأخضر:
يعتبر اللّون الأخضر لون الحياة، فهو ذلك اللّون الذّي يشعرنا باستفاقة الرّبيع وانبعاث الكون من سباته العميق، إنّه مليء بالكثير من الأسرار التّي اكتشف العلماء بعضها، بعد أن كان النّاس يتعاملون معه كتقليد، دون معرفة تلك الأسس التّي تبتعد بالأخضر عن كونه مجرّد لون عاديّ.ويُعدّ اللّون الأخضر في اللّوحة التّشكيليّة، رمزاً مركّباً يجمع بين التّناقضات. فهو يعبّر بشكل أساسي عن الطبيعة والنّمو والتّجدد والخصوبة، ويُضفي على العمل الفنيّ إحساساً عميقاً بالاسترخاء والسّلام. كما يرمز في سياقات أخرى إلى القداسة في بعض الأنساق الثّقافية والدّينية. (لون لباس أهل الجنّة في ) .
وتتنوّع دلالات اللّون الأخضر وتتفرّع في التّشكيل حسب سياق اللّوحة ودرجة اللّون المستخدمة:
1/الأخضر الفاتح (الرّبيعي): يرمز إلى البدايات الجديدة، النّقاء، والحياة النابضة.
2/الأخضر الدّاكن: يحمل أبعاداً ترمز إلى الغموض و العمق
والثّبات.
ولم يعد اللّون الأخضر مجرّد لون طبيعيّ في المدرسة الانطباعيّة والتّعبيرية، بل غدا أداة استخدمه الفنّانون لتسجيل الضّوء ، إنّه كـ “صرخة داخليّة” تنقل مشاعر القلق والتّوتر إلى المتلقّي .وقد مثّلت تجربة” درصاف الطّرابلسي” تجربة من التّجارب التّي تؤثّث الفضاء التّشكيلي التّونسيّ الرّاهن. فأعمالها تحاول أن تنحت أسلوبا تشكيليّا في التّعامل مع اللّون والإضاءة والفضاء، انطلاقا من تَمثُّل جدليّة الإيقاع واللّون من جهة؛ والشّكل والنّسيج من جهة أخرى. ولعلّ العناصر الثّلاثة (اللّون/ الشّكل /النّسيج) تشكّل أنساق علامات تعيد توزيع الأشياء وتنظيمها وفق قانون التّخييل.
إنّ العلامة في لوحة هذه الفنّانة، تحاول أن تسبر حدود اللّون وعلاقته بالعالم.وهو ما جعلنا نستشف حضور اللّون الأخضر بكلّ خصائصه ودواله التّي تحيل على عمق الجمال في الوجود، والأشياء والكائنات وسبر حدود التّخييل، وذلك من خلال تمثيل انزياحات الشّكل. فالعلامة كما نشاهد في اللّوحة إمّا أن تكون أيقونة تنتهك الواقع، أو مؤشّرا يحيل إلى الطّبيعة. وفي هذا الإطار تمثّل لوحة “النّوبيّة الذّهبيّة ” جدليّة اللّون والشّكل، فبلاغة اللّون تتوزّع بين ثنايا الأصفر المذهّب ، ما يسمح ببناء فضاءات أكثر شموليّة تتمثّل في بلاغة العلامة اللّونيّة والرّمزيّة وطرقها في إنتاج الدّلالة. وقد تمثّلت الرّسامة ذات “نفرين ” في تمثّل أيقونيّ للأشكال محاولة اختراق الحدود والبحث عن العمق، الذّي يمكّنها من ملامسة لانهاية معاني الحياة، عبر ذاك التّناسق بين الأسود والأصفر الذّهبيّ والأخضر.إنّه تناسق يحاكي عمق حضارة بلاد النّوبة ، عمق بنته الألوان فيما بينها، ما أنتج – حتما- قانون التّحويل.
وتنزع لوحة” درصاف الطّرابلسي” إلى منحنا أفقا لانهائيّا لقراءة شديدة الارتباط بالذّات تشكّل العالم من حولها لحظة انبجاس الفكرة بكلّ عناصرها التّي تلتقطها اللّوحة، وكأنّها تاريخ موغل في القِدم يحاول عبر الإبداع الخلود. إنّ إيقاع اللّون الأخضر في علاقته مع بقيّة الألوان متحرّك متشابك، تبحث من خلاله الرّسامة عن العمق الضّائع وعنف الألوان التّي تعكس اللّحظة الإبداعيّة، بكلّ إشراقاتها.
وقد كوّن اللّون الأخضر مع بقيّة الألوان مشهدا لونيّا له إيقاعاته وتموّجاته التّي تأخذنا إلى عالم من السّحر والجمال الاّمتناهي، جمال دوّنته ذاكرة هي من منظور ” جاك دريدا””ذاكرة تلملم معانيَ مشتّتة في نسيج رمزيّ يعيد صياغة العالم والأشياء وفق جدليّة التّخييل والواقع المُدرك كصورة، أو شكل يمنحه التّركيب اللّوني بعدا تكميليّا من أجل الإمساك بموضوع الذّاكرة المنفلت” في انسياب تلقائيّ تتحوّل فيه الألوان والأشكال إلى دلالات منفتحة على كلّ القراءات .
وقد حاولت الرّسامة – وهي توزّع اللّون الأخضر- أن تخلق تشكيلا يترك أثرا في المتلقّي .فيصير جزءًا من “نفرين” متغلغلا في تفاصيلها وتعاريج زخارفها المعبّرة وهندستها وصباغتها وأشكالها وخصوصيّاتها الجماليّة وعناصرها الفنيّة البليغة المعنى والكثيفة الدّلالة .إنّها تفاصيل متصاعدة تراوح بين التّداعي اللاّمتناهي والتّأمل الباطنيّ لاكتشاف أسرار ّالنّوبيّة الذّهبيّة” وهي تتبرّج في مواسم من الاحتفاء هي من الانتشاء بمكان.فلوحة “نفرين” لوحة متحرّكة تخلق فينا ضوءًا
مبهراً وإيهاماً فنياً مذهلاً بمشاهدة أشكال انسيابيّة تأخذنا إ لى عوالم من الحلم لا تُدرك لها ضفاف.
4/ الشّعاع الضّوييّ طقوس حُلميّة:
يلعب الضّوء والظّل دوراً حاسماً في رسم أو تصوير البورتريه، فهما يمنحان الوجه أبعاداً ثلاثيّة، ويبرزان ملامحه وشخصيّة صاحبه، ويخلقان عمقاً وتفاعلا. ويعتمد التّوزيع السّليم للضّوء والظّل على اتّجاه مصدر الإضاءة وقوّته، ممّا يحدّد الحالة المزاجيّة للعمل الفنّي.
*تقنيات استخدام الضّوء والظّل:
1/ تقنية الكياروسكور:تعود هذه التّقنية إلى عصر النّهضة، وتعتمد على التّباين بين مناطق ساطعة وأخرى مظلمة جداً لإنشاء صور عميقة وجذابة.
2/ الإضاءة العريضة: يُضاء فيها الجانب الأكبر من الوجه المواجه، بينما يكون الجانب الآخر في الظّل، وهي مناسبة للتّنحيف البصريّ للوجوه الممتلئة.
3/الإضاءة القصيرة: هي عكس الإضاءة السّابقة، حيث يكون الجانب الأكبر من الوجه في الظّل والجانب الأصغر مُضاءً، ممّا يضفي عمقاً دراميّا.
*أنماط الإضاءة الكلاسيكيّة للبورتريه:
تُحدّد هذه الأنماط بناءً على شكل الظّل النّاتج على الوجه:
وسُميت هكذا تيمّناً بالرّسام الهولندي الشّهير. وتعتمد على:
1/إضاءة رامبرانت: وهي إضاءة جانبيْ الوجه، مع ترك مثلّث صغير من الضّوء على الخدّ في الجانب المُظلّل.
2/الإضاءة الرّئيسية: هي المصدر الأساسيّ للضّوء في التّصوير باستخدام أسلوب كياروسكورو، وهي المسؤولة عن إنشاء التّباينات القويّة التّي تميّزه. ومن الضّروري وضع الضّوء الرّئيسي بزاوية حادّة بالنّسبة للموضوع لإنشاء إضاءة ساطعة وقويّة وظلال عميقة للحصول على التّأثير المطلوب.فهي تسهم بشكل جليّ في تعديل التّباين واللّون العام للبورتريه من خلال تجربة مستويات وأوضاع مختلفة للإضاءة.
3/الإضاءة الجانبيّة: تؤدّي الإضاءة الجانبيّة دورًا هامًّا أيضًا، حيث يتمّ وضع مصدر الضّوء على جانب الموضوع، وتوجيه الانتباه إلى التّباين بين المناطق المضيئة والمظلمة. هذه الطريقة تُعدّ الأكثر شيوعًا في تصوير الطّبيعة الصّامتة والبورتريهات ، حيث تعزّز إبراز الأشكال والانحناءات والأنماط.
4/الإضاءة المنقسمة: تقسّم الوجه إلى نصفيْن متساوييّْن تماماً أحدهما مضاء والآخر في الظّل، وتُستخدم لإضافة طابع غامض أو قويّ.
5/الإضاءة الخلفيّة:فيها يُوضع مصدر الضّوء خلف الموضوع، ويمكن أن تضيف وهجًا خياليًّا وشعورًا بالعمق إلى الصورة. وغالبًا ما يتمّ استخدام الإضاءة الخلفيّة في التّصوير لتحديد حدود الموضوع، وخلق تأثير الظّل المحيط الذّي يزيد من الشّعور بالغموض والعمق والتّشويق
و إنتاج مستويات مختلفة من التّباين ،ما يخلق انطباعًا مختلفًا في ما يخصّ المواقف أو المشاعر الموجودة بالبورتريه.
6/الإضاءة الحَلَقيّة : تتمّ الإضاءة الحلقيّة من خلال خلق ظلّ صغير لأنوف الأشخاص على وجنتهم، ولإنشاء إضاءة حلقيّة، يجب أن يكون مصدر الضّوء أعلى قليلاً من مستوى العين.
7/الإضاءة الواسعة:يميل الوجه في الإضاءة الواسعة قليلاً عن المركز، وينتج عن هذا النّوع من الإضاءة مساحة أكبر في الجانب المُضاء من الوجه ومساحة أقلّ على الجانب البعيد أو الجانب الموجود في الظّل.
8/الإضاءة القصيرة :الإضاءة القصيرة هي عكس الإضاءة الواسعة، في هذا النّوع من الإضاءة يتمّ توجيه الوجه نحو مصدر الضّوء.ويضفي هذا النّوع من الصّور مزيدًا من النّحت للوجه، ويضيف صفة ثلاثيّة الأبعاد.
9/ إضاءة الفراشة: وينشأ فيها ظلّ يشبه الفراشة أسفل الأنف مباشرة، وهي إضاءة مثالية لإبراز عظام الوجنتين.
*أساسيّات الظّل والنّور في البورتريه:
لا بدّ في رسم البورتريه من خلق تظليل واقعيّ للوجه، وذلك وفق قواعد تراوح بين ثنائيّة الظّل والنّور وذلك بالنّظر إلى:
1/ منطقة السّطوع : هي ذات صلة بالأماكن التّي يسقط عليها الضّوء مباشرة مثل قمّة الأنف وجبهة الرّأس.
2/الظّل الذّاتي:إنّه ذاك التّدرج الدّاكن على الوجه بعيداً عن مصدر الضّوء والذّي يعطي الشّكل استدارته.
3/الضّوء المنعكس:وهو ضوء خفيف يرتدّ من الأسطح المحيطة ليضيء أطراف الوجه من جهة الظّل.
وقد أنشأت الفنّانة”درصاف الطّرابلسي” في لوحتها “نفرين” لعبة أتقنت قواعدها ، لعبة وزّعت فيها الضّوء على ملامح من وجه”النّوبيّة الذّهبيّة” في تباين، أبرز مناطق مظلمة مثل”محاجر العينيْن”وزاد مناطق أخرى كــــــــــــ”العنق والأنف” .وهي مراكز اهتمام رامت من خلالها الرّسامة أن تظهر لعين الرّائي جماليّة العنق باعتباره مكمن الغزل عند العرب القدامى، والأنف دالّ له عدّة مداليل كالشّموخ والعزّة والمقام العالي.فرغم إغراق بعض الملامح في السّواد إلاّ أنّ التّباين اللّوني كان باديا للعيون من مستويات التّلوين أوّلا والوضعيّات الضّوئيّة ثانيا والأشكال( العنق الممتدّ)( الأنف المذبّب)(الجبين البارز) ما خلق ضربا من الغموض على اللّوحة بادٍ في قوّة التّنسيق.ولا يفوتنا أن ننوّه بذاك الضّوء الوهّاج في الخلفيّة، هو فيض من اللّون الذّهبيّ الذّي عمّق دلالة” النّوبيّة الذّهبيّة”.فارتقى بمقامها وأضفى عليها هالة أسطوريّة احتوت تاريخا عريقا اختزلته الفنّانة في “نفرين”. إنّها المفرد في صيغة الجمع، حمّالة دلالة تختزل حضارة تأبى النّسيان.فجاء هذا البورتريه ليكون خارطة نهائيّة لمعرفة الرّوح التّي تقبع خلفهُ،شكل عكس جمال روح لامس وجدانها في لحظة من لحظات التّجلّي، لحظة فارقة تمازجت فيها عدّة ثنائيّات هي: النّور والظّل، الأنا والآخر، الماضي والحاضر، الواقع والخيال، السّكون والحركة، الحقيقة والوهم، التّلميح والتّصريح…ثنائيّات جعلت من “النّوبيّة الذّهبيّة “أيقونة حاضرة في المكان ممتدّة في كلّ الأزمان تقارع النّسيان شاهدة على إبداع الإنسان(الفنّانة درصاف الطّرابلسي) وخلود “نفرين” في ثنايا حضارة أبت الكتمان…
النّوبيّة الذّهبيّة وأبعادها الوظيفيّة:
1/ وجوه تلقّي البرتريه :
يلامس المتلقّي العمل التّشكيليّ ويجول في ثنايا البورتريه الذّي يمتلك فلسفة ، هي فضاء له مكوّناته ودلالاته ووظائفه “فالبورتريه لا يجسّد ولا يحاكي ولا يمثِّل، بقدر ما يتمسّك بمرجعيّات لها حضورها التّعبيريّ الجليّ من خلال المفردات الإبداعيّة أو العمق أو التّقنيات الفنيّة”.فكلّ عمل إبداعيّ – من هذا المنطلق – مشروط بمتلقّ قادرعلى التّذوق والتّأويل والحكم الجماليّ، ليضمن للعمل الفنيّ صيرورته الإبداعيّة. ولئن كان التلقّي يطرح إشكالا في كثير من وجوه الإبداع وأنحاء التّعبير والخلق الجماليّ والإنسانيّ، فإنّه بالتّأكيد يطرح إشكالات مضاعفة حينما يتعلّق الامر بتلقّي الجمال في الفنّ التّشكيليّ عموما وفنّ البورتريه خصوصا ، لما يكتنفه من غموض في الفهم بين عامّة النّاس. فبدل أن يلعب الفنّ دور الوسيط بلغة “برغسون”، يُصيب الإنسان بنوع من التّشظي وهو يحاول أن يفكّ شفرات البورتريه . فكلّما “ضاقت دائرة التّلقي إلاّ وضاقت دائرة الأثر الجماليّ ونضبت من دون شكّ مجموع إمكاناته التّأويليّة وفُيوض معانيه من وجهة نظر” “سارتر”.ولا يمكن للفعل التّأويلي أن يتحقّق – من هذا المنظور – إلاّ إذا استغور المتلقّي مسالك أخرى، وهذا التّعدد في القراءات والتّأويلات هو ما يزيد العمل الفنيّ جمالا وبهاءً ، وذلك من خلال ربط التّذوق بالممارسات الثّقافية وبالأطر السّوسيولوجيّة والسّياقات النّفسية والتّاريخية لبناء الجمال الفنيّ ومحدّداته السّيميوطيقيّة والاستيطيقيّة .فالبورتريه ليس عالما مكتفيا بذاته ، بل تتحدّد مداراته ورهاناته من خلال الاعتراف به في الفضاء العموميّ أو استعماله الجماعيّّ وذلك عندما يقرّر المتلقّي أن يفكّك أبعاده ويستكنه وظائفه ، باعتباره مكوّنا إبيستمولوجيّا لا غنى عنه في المعرفة الجماليّة وفي تفعيل دلالة العمل الفنيّ.
2/ الوظائف:
* الوظيفة الجماليّة :
إنّ أوّل خطوة في مجال التّذوق الفنيّ هي عدم الاكتفاء بالنّظرة العابرة للعين، بل يجب أن نعيش في الأشياء التّي نلاحظها ونشاهدها أمامنا ، ذلك لأنّ كثيرا من البورتريهات ليست مجرّد لوحة ملوّنة، بل هي تعبير عن أسلوب الفنّان والطّابع الخاصّ به في طريقة التّنسيق والتّلوين وقدرته على إبراز انطباعاته ، بحيث نشعر في البوريريه بذاتيّة الفنان وعمق رؤيته الفنّية.وهو ما يسيّجنا بمجموعة من الأسئلة المؤرقة من قبيل كيف نتلقّى البورتريه؟ وكيف ننفذ إلى حقيقته ونمسك بدلالاته المنفلتة؟ هل ينبغي تذوّقه من جهة مفعولاته الحسيّة والوجدانيّة أم يتعيّن علينا النّفاذ إلى أبعاده بعقل ثاقب ناقد؟كلّ هذه الأسئلة وغيرها تؤكّد لنا أنّ البورتريه مادة إبداعيّة ديناميّة لها مقاصد مأمولة قابلة للقراءة والتّحليل والتّركيب والتّذوق والنّقد الجماليّ،واعتباره أيضا نصّا سرديّا بصريّا مفتوحا على القراءة الكاملة لكافة مكوّنات النّص البصريّ الكليّة والفرعيّة . وتتحقّق الوظيفة الجماليّة في بورتريه” النّوبيّة الذّهبيّة” للفنّانة”درصاف الطّرابلسي” في أخذ متلقّيها إلى عمق عملها الفنيّ ودعوته لاستكشاف المتعة الموجودة داخله،من خلال دلالته الحسيّة وقوّة حضور “نفرين” المنبثّة على كامل اللّوحة. وتمتدّ هذه الدّلالة لتصف حالة وجدانيّة شبيهة بحالة السّكر الذّي يطرأ على العاشق بعد تذوّق شراب العشق. فتذوب تلك الحدود الفاصلة بين عدّة ثنائيّات:كـــ”الماضي والحاضر/ الرّائي والمرئيّ/ الفنّ والحياة/ الظّاهر والباطن/…وهذا التّوحد هو ما يخلق ذاك التّماهي”زمانا ومكانا وذواتا” “بول فاليري” ، إنّه ضرب من اللّذة خفيّ نحسّه يملك علينا مشاعرنا ولا نستطيع تفسيره.ويكمن البعد الجماليّ في بورتريه”نفرين” في امتلاكها طابع الكونيّة، وهي كونيّة بالقوّة لا بالفعل.فالجمال فيها ليس خاصيّة ملازمة للأشياء ذاتها، بل يوجد فحسب في فكر من رسمها(الرّسامة درصاف الطّرابلسي) من جهة الخلق الفنيّ ، وفي فكر من يتأمّلها من جهة ثانية، وكلّ فكر منهما يتمّثل جمالا مختلفا. فالجميل عند كلّ منهما يتّصف بكونه يوحي بالغائيّة بغير أن يتعلّق بغاية واحدة ووحيدة.وقد شكّلت” النّوبيّة الذّهبيّة” نصًّا بصريًّا ثريًّا يمكن قراءته ضمن منظور جماليّ- سيميائيّ يشتبك مع الذّكرة الفرديّة والجمعيّة في آن واحد .إنّها بورتريه امرأة نوبيّة مضمّخة بالجمال ملامحا وأثوابا وحُليّا . يهيمن وجهها على المشهد بأنف شامخ وعنق صارخ يأبى الانكسار، تتأمّل بصمت رزين وثقة هادئة، وكأنّها شاهدة على مرور الزّمن وتغيّراته في حالة تأمّل وجوديّ مستمرّ بين الحاضر والذّاكرة. واللاّفت للانتباه أنّ البورتريه غارق في خلفيّة هيمن عليها طيف لونيّ واحد هو الأصفر الذّهبيّ،إنّه الوهج والشّمس والحقيقة ، يوشّيه اللّون الأخضر بعمقه ، ليصبح اللّون هنا لغة فلسفيّة تتجاوز مجرّد الإشارة إلى الخصوبة، بل ليجسّد التّمسك بالهويّة، والارتباط العميق بالتّراث والعادات، حتّى في عالم تتسرّب إليه تغيّرات ، تبدو كطبقات من الواقع المراوغ الذّي يختبر ثبات الذّات. فاللّوحة تتجاوز البورتريه التّقليديّ في تمثيل الوجه والملامح، لتصبح مساحة لتجربة حسّية وفلسفيّة. لايصال إحساس بصريّ تتطوّر فيه الخطوط إلى إيقاع داخليّ، وتتحوّل فيه الألوان إلى لغة صامتة تستحضر هويّة “المرأة النّوبيّة” كما شعرت الرّسامة بها، لا كما تبدو في الواقع.ويعكس هذا الشّعور بوضوح أنّ اللّوحة ليست مجرّد بورتريه موضوعيّ لـــ”نفرين”، بل هو تجربة تشكيليّة متكاملة تعتمد على الإيقاعات اللّونيّة والفراغ والضّوء لنقل مظاهر حضور المرأة النّوبيّة كفاعل حضاريّ مستمرّ في مواجهة التّحولات والتّغيرات الفكريّة والاجتماعيّة. وتتعمّق ملامح الجمال حين تتحوّل المادة التّي تشكّلت بها اللّوحة إلى إيقاع بصريّ لونيّ حيّ، حيث تتداخل ضربات الفرشاة ومساحات الأكريليك لتخلق شبكة ديناميكيّة من الألوان المتدرّجة، تتراقص بين الثّبات والتّحوّل، بين الوهم والحقيقة. هذه البنية اللونيّة لا تكتفي بإظهار الشّكل، بل تولّد حركة إدراكيّة توجّه العين في رحلة استكشافيّة دقيقة تكشف عن ذاك الحوار بين الذّات والواقع والذّاكرة.ما أسهم بشكل فعّال في إنتاج المعنى. فاللّقاء البصريّ بين المتلقّي والمرأة داخل اللّوحة يكشف عن مساحة حيّة يتبادل فيها الطّرفان الإدراك والمعرفة. وهنا يبرز البعد الإنسانيّ العميق للعمل، حيث تتحوّل الهويّة النّسويّة إلى صوت بصريّ يعبّر عن ذاته بوعي ثقافيّ راسخ، وإلى حضور حضاريّ متميّز..
وقد تتعدّد وظائف البورتريه بحسب أهداف الرّسام لتراوح بين:
1/الوظيفة المرجعيّة: والغايةمنها
تمكين المتلقّي من تكوين فكرة محدّدة عن الشّخصية المرسومة.
2/الوظيفة السّردية: والغاية منها إبراز قيمة الشّخصية المجسّدة في لحظة معينة من تاريخه.
3/الوظيفة الرّمزية: هي تبيّن البعد الاجتماعيّ، أو الأخلاقيّ، أو السّياسي، أو العلميّ لشخصيّة معيّنة في زمن معيّن.
4/الوظيفة الإستيتيقية: وغايتها إبراز جوانب القبح والجمال في الشّخصية بحسب معايير العصر.
5/الوظيفة الوثائقيّة: وتستهدف تسجيل حضور الشّخصية ضمن سياق معيّن (علميّ، سياسيّ، تاريخيّ، فنيّ، …) فضلا عن إيضاح شروط حياة الأشخاص فوجود البورتريه كنوع أدبّي يبقى رهينا باللّغة ومشروطا بها، فالوصف يستلزم استخدام لغة فنيّة عالية، والوقوف على الجزئيّات بكلّ دقّة ومهارة.وقد ارتأينا في بحثنا هذا التّركيز على الوظيفة الجماليّة لأنّها المهيمنة ، باعتبار أنّ اللّوحة المدروسة لوحة تشكيليّة لها خصوصيّتها،لنقل باختصار أنّ البورتريه لا يوجد في غياب غاية معيّنة هي ترجمة نوايا الرّسام وأهدافه، ونيّة “درصاف الطّرابلسي” هي غاية جماليّة بالأساس.
مسك الختام:
لقد قدّمت الفنّانة”درصاف الطّرابلسي” عملًا فنيًا يتجاوز حدود البورتريه التّقليدي، ليصبح وثيقة جماليّة ومعرفيّة عكست وعي الفنّ التّونسي المعاصر بدور المرأة في صياغة الذّاكرة الجمعيّة. فاللّوحة ليست مجرّد احتفاء بصريّ بالزّي التّراثي أو الملامح الأنثويّة النّوبيّة، بل هي تجربة تأمليّة في معنى الحضور والهويّة والانسان، حيث تلتقي الذّاكرة بالحداثة، والذّات الفرديّة بالوعي الجمعيّ، في نص بصريّ شديد الحساسيّة والدّقة. وهكذا تظل «نفرين النّوبيّة الذّهبيّة” ذاكرة شاهدة على قدرة الفنّ على إعادة تشكيل الوعي الثّقافي، وعلى منح الهويّة النّسوية النّوبيّة موقعها الطّبيعي بوصفها فاعلًا حضاريًّا مشاركًا في بناء المعنى والجمال معًا، فعل فجّرته لغة لونيّة لها حسّها وإحساسها وتماسكها الذّي يربط بين الفلسفة الجماليّة وسيميائيّات الصّورة من ناحية وبين ونظريّات الإدراك من ناحية أخرى. ويشكّل التّجريد حينا والواقعيّة وفنّ البورتريه حينا آخر في أعمال الفنّانة التّشكيلية “درصاف الطّرابلسي” أهمّ الاتّجاهات التّي تغذّي مشهد أعمالها، لأنّها تجعلها تنبض بالرّمزية والحيويّة المطلقة، ممّا يخلق نوعا من التّفاعليّات التّي تبرز على غرارها المادة التّشكيليّة في شكل وجوديّ يُذكي البعد الحسيّ والعنصر البصريّ في المتلقّي.كما أنّ جودة التّقنيات التّي تستعملها المبدعة تساعد في عمليّة المعالجة الواقعيّة وإبراز العمل الفنيّ في حلّة من الرّونق والجمال ، وذلك يعود إلى جودة توظيفها موادها التّعبيريّة ، وألوانها التّشكيليّة المتخصّصة، الأمر الذّي جعلها تنتج أساليب تعبيريّة معاصرة، تنبني على قاعدة تشكيليّة معاصرة، باختياراتها وتوجّهاتها المباشرة، التّي تستشرف العالم التّشكيليّ بأسلوبها الخصب الذّي يحتوي مجموعة من المعارف التّشكيليّة والمعالم الفنيّة والذّوقيّة التّي تندرج ضمن نسيج ثقافيّ واجتماعيّ وفكريّ، ورصيد معرفيّ زاخر. إنّها تحمل خصائص فنيّة جديرة بالمتابعة النّقدية، لأنّها تعمل على وسم المشهد الفنّي التّشكيلي التّونسيّ المعاصر بكلّ مكوّناته ومفرداته وعناصره ومراميه الإبداعيّة المتطوّرة، وجماليّاته ، وكلّ أساليبه التّي تنبض بالحياة والتّطور.فهي تهدف إلى إنتاج فنّ تشكيليّ راقٍ بمقوّمات معاصرة لها لمسات تتفرّد بها دون غيرها، لتغدو جزءًا من تاريخ وطن هو درّة الأوطان….
برؤية:د.النّاقدة حياة بربوش 🇹🇳
(انتهت)

تابعنا

طباعة الخبر
لا يفوتك أيضا
مارس يكشف ملامح اضطراب المناخ
مارس يكشف ملامح اضطراب المناخ السبت، 14 مارس 2026 11:04 م
الحقيقة والسراب والوهم
الحقيقة والسراب والوهم الإثنين، 24 فبراير 2025 12:40 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *