كلما قرأت سورة يوسف يتأكد لي معنى عجيب جدا … يتأكد لي معنى أن العبرة عمرها ما كانت بالعدد ولا بالشكل ولا بكثرة الناس من حولنا … لكن العبرة تكون بالسند الحقيقي .
فنبي الله يوسف عليه السلام عنده إخوة كثيرون في الظاهر ، وهم الذين نسميهم في مجتمعنا (عزوة وسند وظهر قوي) ، وكانوا رجال أقوياء … لكن عشرة منهم كادوا به ، وحسدوه ، ومكروا به ، وأرادوا قتله والتخلص منه ، فألقوه في غيابات الجب .
وفي الجهة الأخرى نرى نبي الله موسى عليه السلام وأخته … فقد كان موسى طفلا رضيعا عندما ألقته أمه في اليم . ماذا فعلت أخته ؟؟! (بصرت به عن جنب وهم لا يشعرون) .
ذهبت في مهمة في غاية الخطورة ، تقتفي أثر أخيها الطفل الرضيع ، وتراقبه من بعيد ؛ حتى لا يشعر بها أحد ، وتتابع تحرك الماء به حتى وصل إلى قصر فرعون … وهي بذلك تلقي بنفسها في التهلكة من أجله ؛ فربما يمسك بها أحد أو يقبض عليها جنود فرعون وهم في منتهى الظلم والطغيان .
ظلت تراقيه وتتابع الأحداث في قصر فرعون ، وكان قد امتنع موسى بتدبير من الله عن الرضاع من النساء . وظل جنود فرعون يبحثون عن مرضعة يقبلها موسى فلم يجدوا ، فلما رأت أخت موسى حرصهم على إرضاعه ، قالت لهم: (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون)
أي هل أرشدكم إلى أهل بيت يقومون بإرضاعه ورعايته ، وهم له ناصحون مشفقون ؟
فلما وجد الصبي موسى ريح أمه قبل ثديها ، وجعل يرضع حتى امتلأ جنباه ريا .
(فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ )
انظر كيف كانت أخته أحرص ما يكون على نجاة أخيها وعلى حياته ، وهذه بنت لا حول لها ولاقوة بين هؤلاء الجبابرة .
وكذلك تعالوا نرى أيضا أخو موسی هارون عليهما السلام ، عندما أمر الله سيدنا موسى عليه السلام أن يذهب إلى فرعون قال موسى لربه : (وَأَخي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي)
ردءا : يعني سندا وعونا وجبلاً اتكئ عليه ، يساعدني يقف ورائي ، يكون في ظهر لي يقويني … فقال له الله تعالى ملبيا طلبه ( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ) ، سنرسله معك مساعدة وحماية و سندا .
تأمل معي هذا أخ واحد لموسى لكنه صار سندا له قويا … ومن قبل ذلك وهو طفل رضيع كانت أخت له واحدة سندا وحماية … وفي الناحية الأخرى أخوة يوسف عشرة أرادوا أن يقتلوة وألقوه في غيابات الجب.
فالعبرة في السند ليست بالعدد ولا بالشكل ،
العبرة فعلا بالسند الحقيقي ، الذي يقف معك في وقت الأزمات ، في وقت الشدة.
العبرة في قلب يتسع لنا كلما ضاقت بنا الحياة ، وفي روح تحفظ ودنا مهما فرقتنا الأيام والأحداث.
فمن عنده أخت مثل أخت موسى ، أو عنده أخ مثل هارون عليه السلام ، يتمسك به وبقوة ويدعو الله أن يبقيه فى حياته سندا وعونا … والذي عنده إخوة مثل إخوة يوسف يدعو الله تعالى لهم بالهداية.

