رئيس مجلس الادارة د. عبدالهادي الكناني
رئيس التحرير
ا/ مصطفى فتحي
مقالات

فرص راحلة

مشاركة فيسبوك
مشاركة واتساب
مشاركة تويتر
هناك أشياء لا يقتلها الزمن، بل يكشف حقيقتها. وأخرى لا يسرقها العمر، بل يفضح أننا نحن من فرّطنا فيها حين صدقنا أن الغد أكثر رحابة من اليوم. وما أقسى أن يكتشف الإنسان، بعد رحلة طويلة، أن أكثر خسائره لم تكن بسبب قرار خاطئ اتخذه، بل بسبب قرار صحيح لم يتخذه في وقته.
وحين أسأل نفسي: ما أكثر شيء ندمت على تأجيله في حياتي؟ لا أجد مشروعًا ضاع، ولا منصبًا فات، ولا مالًا لم أجمعه. أجد وجوهًا رحلت قبل أن تسمع مني كلمة، وقلوبًا انتظرت اعتذارًا تأخر حتى فقد معناه، وأحلامًا بقيت حبيسة الأدراج لأنني أقنعت نفسي بأن الوقت ما زال يتسع لها.
لقد اكتشفت متأخرًا أن أخطر أنواع التسويف ليس تأجيل الأعمال، بل تأجيل الحياة نفسها.
كنا نظن أن التسويف عادة بسيطة، وأنه لا يتجاوز تأخير مهمة أو تأجيل موعد. لكن الحقيقة أكثر عمقًا وأشد قسوة؛ فهناك تسويف من نوع آخر، يتسلل إلى الروح دون أن نشعر. نؤجل زيارة والدينا لأننا منشغلون، ونؤجل احتضان أبنائنا لأن العمل لا ينتهي، ونؤجل الاعتذار لأن الكبرياء يهمس في آذاننا، ونؤجل الاعتراف بالحب حتى يصبح مجرد ذكرى، ونؤجل العناية بأنفسنا حتى نستيقظ يومًا على جسد أنهكه الإهمال، وروح أثقلتها الحسرة.
كم من كلمة جميلة ماتت داخل أصحابها لأنها خرجت متأخرة؟ وكم من رسالة لم تُرسل إلا بعد أن أصبح رقم صاحبها خارج الخدمة؟ وكم من حلم دفناه بأيدينا، ليس لأنه مستحيل، بل لأننا كنا ننتظر اللحظة المثالية التي لم تأتِ أبدًا؟
أعترف أنني كنت واحدًا من أولئك الذين خدعهم وهم الوقت. كنت أظن أن الفرص تحفظ أماكنها، وأن الأحبة باقون، وأن الأعمار طويلة بما يكفي لنفعل كل ما نريد. لكن الحياة لا تعمل بهذه القوانين. إنها لا تمنح أحدًا إشعارًا مسبقًا قبل أن تغلق بابًا أو تطوي صفحة أو تنتزع شخصًا من المشهد إلى الأبد.
ومن هنا يبدأ الندم الحقيقي.
ليس الندم على ما فعلناه، بل على ما لم نفعله. على السلام الذي لم نبادر به، والامتنان الذي بخلنا به، والاعتذار الذي تأخر، والزيارة التي أُرجئت، والكلمة الطيبة التي ظننا أنها تستطيع الانتظار.
لقد تعلمت، بعد سنوات من الركض، أن الإنسان لا يخسر حين يفشل، وإنما يخسر حين يؤجل المحاولة حتى يفقد القدرة عليها. فالفرص لا ترحل دائمًا لأنها نادرة، بل لأنها لا تحب المترددين. والعلاقات لا تموت فجأة، وإنما تذبل كل يوم تحت وطأة التأجيل والصمت والإهمال، حتى يأتي يوم لا ينفع فيه إصلاح ولا اعتذار.
وربما كانت أكبر مفارقات العمر أن الإنسان يقضي نصف حياته يعتقد أن لديه وقتًا كثيرًا، ثم يقضي نصفها الآخر يتمنى لو عاد به الزمن أيامًا قليلة ليقول ما لم يقله، ويفعل ما لم يفعله، ويمنح من يحبهم شيئًا من حضوره قبل أن يتحول الغياب إلى قدر.
اليوم، لم أعد أخاف من الخطأ بقدر خوفي من التأجيل. فالخطأ يمنحنا فرصة للتعلم، أما التأجيل فيسرق منا فرصة التجربة نفسها. والخطأ قد يُصلح، أما بعض التأجيل فلا يعوضه عمر بأكمله.
لهذا، لو عاد بي الزمن، لما أجلت كلمة حب، ولا رسالة امتنان، ولا زيارة قريب، ولا حلمًا كنت أؤمن به. كنت سأختار أن أعيش اللحظة كما تستحق، لا كما يعدني بها الغد.
فالزمن لا يخذلنا بقدر ما نخدع أنفسنا حين نؤمن أن أمامنا متسعًا دائمًا. والحقيقة التي لا تقبل الجدل أن الحياة لا تُقاس بعدد السنوات التي نعبرها، بل بعدد اللحظات التي امتلكنا فيها شجاعة ألا نؤجل ما يستحق أن يُعاش الآن.
ولعل هذا هو الدرس الذي دفعته من عمري ثمنًا: أن بعض الأبواب لا تُغلق بصوت، لكنها لا تُفتح مرة أخرى أبداً

تابعنا

طباعة الخبر
لا يفوتك أيضا
السلام الداخلي
السلام الداخلي الأحد، 16 فبراير 2025 07:09 م
المناخ.. من الشارع إلى القرار
المناخ.. من الشارع إلى القرار الإثنين، 10 نوفمبر 2025 03:01 م
لاشيء يدوم
لاشيء يدوم الأحد، 1 مارس 2026 01:56 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *