هناك مشاعر لا تُحكى بالكلام، بل تُفهم من نظرة عينٍ حزينة، أو من صمتٍ طويل في آخر الليل ومن أقسى تلك المشاعر، حنين الابنة إلى أبيها حين يصبح بعيدًا، غائبًا، أو حتى موجودًا بالجسد لكنه غائب عن القلب.
الأب ليس مجرد شخص في البيت، بل هو الأمان الذي نستند إليه دون أن نشعر، هو اليد التي تربّت على الكتف وقت الانكسار والصوت الذي يجعل الدنيا أقل خوفًا. وعندما يبتعد الأب، يترك فراغًا لا يملؤه أحد، حتى لو امتلأ المكان بالناس.
هناك بنات يكبرن وداخلهن طفلة صغيرة ما زالت تنتظر كلمة حنان من أبيها، تنتظر اهتمامًا بسيطًا، أو حضنًا يطمئن قلبها المتعب. قد يخفين وجعهن خلف الابتسامات، لكن في أعماقهن شوق لا ينتهي وحنين يزورهن كل ليلة.
الحنين للأب ليس ضعفًا، بل هو شعور صادق يدل على عمق الحب. فالأب بالنسبة لابنته هو أول بطل عرفته، وأول رجل شعرت معه بالأمان. لذلك حين يختفي ذلك الشعور، تصبح الحياة أكثر برودة، وتمتلئ الروح بأسئلة لا إجابة لها.
أحيانًا تجلس الابنة وحدها تتأمل صورة قديمة، أو تتذكر موقفًا صغيرًا كان فيه الأب قريبًا منها، فتبتسم للحظة ثم تمتلئ عيناها بالدموع. ليس لأنها تريد الكثير، بل لأنها تشتاق لذلك الإحساس الذي كان يجعل قلبها مطمئنًا.
ورغم الألم، يبقى الحب داخل القلب لا يموت فالابنة مهما كبرت تظل تحتاج أباها، وتظل تتمنى أن يعود ذلك الدفء الذي افتقدت لأن الأب ليس شخصًا عابرًا في الحياة بل وطنٌ كامل، إذا غاب شعرنا بالغربة حتى ونحن بين الجميع.

