(كيف نحافظ على نقائنا في عالم مختلف؟!)
ما تعلّمناه في بيوتنا لا يشبه ما وجدناه في الحياة.
ربّانا أهلُنا على قيمٍ نقيّة من
الصدق وحُسن النيّة واحترام الكلمة والوفاء ومراعاة الخاطر.
كبرنا ونحن نعتقد أنّ هذه القيم هي القاعدة وأن العالم يسير بها كما تسير الدماء في العروق.
ثم خرجنا إلى الحياة…
فاكتشفنا أنّ ما تعلّمناه أصبح عملة نادرة وأن ما كُنّا نعدّه بديهياً صار يُنظر إليه على أنّه سذاجة
وأن النقاء الذي تربّينا عليه لا يجد دائماً مكاناً في واقعٍ يتقن المراوغة أكثر مما يتقن الصدق.
وجدنا أنفسنا في منطقة مُربِكة:
لا نستطيع أن نخلع جلدنا القديم ولا نُجيد ارتداء أقنعة لا تشبهنا.
في العمل مثلاً نؤمن بأن الجهد يُقابَل بالتقدير
فنُفاجأ أن الصمت يُستغل وأن الاجتهاد يُعتبر واجباً لا فضلًا.
في العلاقات ندخل بقلوبٍ مفتوحة كما تعلّمنا
فنصطدم بعالمٍ يُجيد الحساب أكثر مما يُجيد الشعور ويخلط بين الطيبة والضعف وبين الاحترام وقلة الحيلة.
فنقف حائرين:
هل نُغيّر أنفسنا كي ننجو؟
أم نتمسّك بما تربّينا عليه وندفع ثمنه؟
والحقيقة الأعمق أن الصراع ليس بين قيم قديمة و عالم جديد
بل بين الوعي والتسرّع.
لسنا مطالبين بأن نُفرّط في أخلاقنا ولا أن نعيشها بلا حدود.
النضج الحقيقي أن نحتفظ بالقيم…لكن نضيف إليها الحكمة.
أن نكون طيّبين لا مُستباحين.
صادقين لا ساذجين.
محترمين دون أن نُلغي أنفسنا.
القيم لا تفشل لكن من لا يعرف كيف يحميها يتعب
ومن يتعلّم الموازنة بين ما تربّى عليه وما فهمه من الحياة يصل أخيرا إلى سلامٍ داخلي لا تمنحه المسايرة ولا العناد.
فابقَ كما أنت…
لكن بعينٍ مفتوحة وقلبٍ واعٍ وحدودٍ واضحة.

