بقلم : د. تامر عبد القادر عمار
لا يكاد مفهوم في العلاقات الأسرية يُثير من النقاش والجدل ما يثيره مفهوم “القِوامة”. فبين من يراه تكريسًا لهيمنة ذكورية تُلغي مكانة المرأة، ومن يراه نظامًا إلهيًّا دقيقًا ينظم شؤون الأسرة، يتأرجح الخطاب العام بين تأويلات متباينة، كثيرًا ما تبتعد عن جوهر النصوص ومقاصدها. وفي خضم هذا الجدل، تظل الحقيقة قائمة: القِوامة ليست سلطةً استبدادية ولا امتيازًا ذكوريًا، بل مسؤولية عظمى قوامها الرعاية والحماية والعدل.
لقد ورد ذكر القِوامة في القرآن الكريم بوضوح في قوله تعالى: “الرِّجالُ قَوّامونَ على النِّساء بما فضّل اللهُ بعضَهم على بعضٍ وبما أنفقوا من أموالهم” [النساء: 34]، وهي آيةٌ وضعت إطارًا متوازنًا لتوزيع الأدوار داخل الأسرة. فالقِوامة لا تُعني التسلّط، وإنما تقتضي أن يتحمّل الرجل مسؤولية النفقة والحماية، وأن يكون قائمًا على شؤون أسرته بالرعاية لا بالقهر، وبالعدل لا بالتمييز. فهي تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وأمانة قبل أن تكون سلطة.
ومع اتساع رقعة الحداثة وتغيّر أنماط الحياة، باتت القِوامة عرضةً لسوء الفهم والتأويل. هناك من يختزلها في حق الرجل المطلق على المرأة، متجاهلًا أنّ النص القرآني قيّدها بالمسؤولية المالية والقدرة على القيام بمهام الحماية والرعاية. وهناك من يرفضها جملةً وتفصيلًا بدعوى المساواة المطلقة، غافلًا عن أنّ القِوامة لا تنتقص من كرامة المرأة ولا من أهليتها، بل ترسم تكاملاً يُوازن بين الحقوق والواجبات.
إنّ القِوامة في جوهرها تقوم على ثلاثة أعمدة أساسية:
1. المسؤولية الاقتصادية: فالرجل مُلزَم شرعًا بالإنفاق على الأسرة، وهذا ما يُبرر جانبًا من القِوامة. فهي التزام مادي ومعنوي يُحمّل الرجل عبء الكفاية، وليس امتيازًا بلا ثمن.
2. الرعاية والحماية: فالقِوامة تفرض على الرجل أن يكون سندًا لزوجته وأولاده، حاميًا لهم من تقلبات الحياة، متكفلاً بسلامتهم الجسدية والمعنوية.
3. العدل والمساواة في الكرامة: إذ لا مكان في القِوامة لظلم أو انتقاص، بل هي مسؤولية أخلاقية تُحتم أن يعامل الرجل المرأة بإنصاف ورحمة.
ولعل الإشكالية الحقيقية لا تكمن في النصوص ذاتها، بل في التطبيق الاجتماعي لها. ففي كثير من المجتمعات، تحولت القِوامة إلى ذريعة للتسلّط أو التمييز، مما ولّد ردود فعل معاكسة تُطالب بإلغائها. بينما الحقيقة أن الأزمة ليست في المبدأ القرآني، بل في سوء الفهم والممارسة الخاطئة.
ومن هنا يبرز دور الخطاب الديني والإعلامي والثقافي في إعادة تقديم مفهوم القِوامة بروح متجددة تواكب العصر، من غير إخلال بالثوابت. فنحن بحاجة إلى خطاب يُبرز أنّ القِوامة ليست حجرًا على المرأة، بل عقد شراكة تُكمِّل فيه الأدوار، بحيث تتحقق المودة والرحمة التي جعلها الله أساسًا للزواج: “وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً”.
وفي وسط دعوات المساواة الشكلية التي نراها، تظل القِوامة بمفهومها الصحيح ضمانةً للتوازن الأسري والاجتماعي. فهي نظام يُحمّل الرجل مسؤوليات أكبر، ويُبقي للمرأة مكانتها وشراكتها الكاملة، بعيدًا عن صراعات الهيمنة أو الاستلاب. وإذا ما أُحسن فهمها وتطبيقها، فإنها تصنع أسرة متماسكة قادرة على مواجهة التحديات، وتُعيد للاجتماع الإنساني استقراره وتوازنه.
إنّ الحقيقة التي يجب أن تُدرك هي أنّ القِوامة ليست جدلًا أيديولوجيًا بقدر ما هي نظام إنساني رباني، صيغ ليحفظ كرامة الطرفين، ويرسم معالم حياة مشتركة قائمة على العدل والتكامل. وما بين الغلو في التطبيق أو التفريط في المبدأ، تبقى القِوامة أمانةً ثقيلة تحتاج إلى وعي عميق، وإلى إرادة صادقة تجعل من البيت المسلم ساحة رحمة وعدل، لا ميدان صراع وهيمنة.

