في دروب الحياة، كثيرًا ما نظن أنّ خطواتنا الضائعة خيبة، وأن الطرق التي سرناها بلا جدوى ليست سوى فصولٍ من الإرهاق لم يكن لها داعٍ. غير أنّ الحقيقة حين نتأملها بعيون أكثر نضجًا ، تكشف أن الإنسان لا يبلغ صوابه إلا بعد أن يتقن فنّ الخطأ، ولا يكتشف طريقه الحقيقي إلا بعدما يطارد طرقًا لم تكن له. فكأن القدر يختبر عزيمته، ويعلّمه بالتجربة أن الوصول ليس دائمًا ثمرة اختيار صائب، بل أحيانًا ثمرة اختيار خاطئ قاده، من حيث لا يدري، إلى ما يستحقه.
نطارد أشياء نظن أنّ فيها خلاصًا: علاقات متعبة، فرصًا بلا روح، أحلامًا مستعارة، أو أهدافًا رسمها غيرنا لنا. نركض خلفها بكل الحماس، ونظن أنّ اللحاق بها هو انتصارنا الشخصي. وما إن نصل، حتى نكتشف أن هذا الوصول لم يمنحنا سوى درس إضافي في فهم الذات، وأن الأشياء التي بدت يومًا مهمة لم تكن سوى مرايا تعكس لنا ما لسنا بحاجة إليه.
إنّ مطاردة الخطأ ليست دائمًا سقوطًا، بل قد تكون جزءًا أصيلًا من هندسة الحياة. فالحياة تملك قدرة مدهشة على استخدام عثراتنا لصالحنا؛ تجعلنا نقف أمام أنفسنا مكشوفين، نعيد تقييم اتجاهاتنا، ونسأل ذلك السؤال الذي لا يقوله إلا من أتعبه السير: “هل هذا الطريق لي؟”.
وحين نمتلك الشجاعة لطرح هذا السؤال، يبدأ التحوّل الحقيقي. فالتوقف عن مطاردة ما لا يناسبنا هو في ذاته نقطة انعطاف، لحظة انفتاح على خيارات مختلفة، أشبه بباب لم نكن نراه لأننا كنّا منشغلين بطرق أخرى مضاءة، لكنها ليست لنا. وفجأة ندرك أنّ الأشياء الصائبة تظل في مكانها، لا ترحل، بل تنتظر أن يفرغ قلبنا من الضوضاء، وأن نتنفس بطمأنينة تكفي لأن نسمع ما يليق بنا.
كم من علاقة أرهقتنا كانت سببًا في أن نعرف قيمة الهدوء! ، وكم من وظيفة ضيقة أهدتنا رغبة حقيقية في البحث عن ذاتنا المهنية! ، وكم من خسارة قادتنا إلى طريقٍ ما كنّا لنجرؤ على دخوله لو لم تُغلق أبواب أخرى!
ليس المهم إذن عدد الأخطاء التي طاردناها، بل المهم ماذا فعلت بنا. فهناك أخطاء تهدم، وهناك أخرى تبني، وهناك مسارات تبدو مظلمة لكنها تُخرج من داخلنا نورًا ما كنّا نعرف أننا نملكه. والخطأ الذي يوقظك أفضل ألف مرة من الصواب الذي يخدّرك.
والإنسان الحكيم هو الذي يتعامل مع كل تجربة، مهما كانت مريرة بوصفها معلمًا. لا يتذمر من الماضي، ولا يلعن الأيام، بل يلتقط الرسالة، ويدرك أن الحكمة لا تنبت في أرض الراحة، بل في أرض المعاناة. فكل مطاردة خاطئة تمنحك وعياً أدق في المرة القادمة، وتجعلك أكثر قدرة على التمييز بين ما يستحقك وما يستنزفك.
ولعل أجمل ما في الأمر أن الأشياء الصائبة لا تحتاج منك قتالًا كي تحصل عليها. هي تأتيك حين تهدأ، وحين تفهم، وحين تصبح جاهزًا لها. تأتيك حين تتوقف عن الركض خلف ما لا يناسبك، وتسمح للحياة أن تُرشدك بدل أن تُجبرها على اتجاه معين. فالبوصلة الداخلية لا تعمل إلا بعد أن يهدأ القلب من صخب الملاحقات الخاطئة.
فالإنسان الذي يعي قيمة التجربة لا يخشى الضياع؛ لأنه يدرك أن كل ضياعٍ يحمل بداخله إشارة خفية. وكل تأخير له حكمة. وكل نهاية تحمل معها بداية أكثر صدقًا. فالحياة ليست سباقًا نحو الهدف، بل رحلة نحو النضج. وما نخسره اليوم قد يكون سببًا في ما نربحه غدًا، وما يغادر حياتنا قد يفسح الطريق لشيءٍ أجمل قادم.
ولعل أجمل الحقائق هي تلك التي نصل إليها بعد ألم، وأصدق الطرق تلك التي نُجبَر على كشفها بعد أن تسقط الطرق الأخرى. فمطاردة الأشياء الخاطئة ليست دائمًا لعنة، بل قد تكون أعظم هدية قدمتها لنا الحياة؛ لأنها جعلتنا نلتقي في النهاية بالأشياء الصائبة، وبأنفسنا اولاً.

