بقلم: د. تامر عبد القادر عمار
في ظل هذه الاوقات التي تعصف فيها الرياح من كل اتجاه، وتشتعل فيه النيران في أطراف الخريطة العربية، تظل مصر، الدولة التي لا تغيب عنها أنظار التاريخ، الركن الهادئ الذي يدير العاصفة بذكاء، ويُمسك بخيوط المنطقة بخبرة الصانع ومهارة الحارس.
وسط طبول الحرب التي تُقرع بين إيران وإسرائيل، والقلق العالمي من انفجار إقليمي واسع قد يحرق الأخضر واليابس، برز الدور المصري كقوة عقلانية وازنة، وكصوت متزن قادر على مخاطبة جميع الأطراف بلغات المصالح والتهدئة والكرامة.
ولم يكن هذا الدور وليد اللحظة، بل هو امتداد طبيعي لدولة لم تفقد بوصلتها رغم العواصف، ولرئيس يمتلك من الفطنة والحنكة ما جعله واحدًا من أكثر القادة تأثيرًا وهدوءًا في أكثر لحظات المنطقة اضطرابًا.
من يقرأ خريطة المنطقة جيدًا يدرك أن مصر ليست مجرد دولة ذات حدود، بل هي العمق الاستراتيجي الذي لا يُغفل وليس هذا فقط بل مركز ثقل جغرافي، وتاريخي، وسياسي. فمنذ فجر التاريخ، كانت مصر حجر الزاوية في استقرار الشرق، ورمانة التوازن بين القوى الإقليمية والدولية.
ومع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، وما رافقه من قلق متزايد لدى دول الخليج، وتخوفات المجتمع الدولي من توسع رقعة الصراع، عادت الأنظار لتتجه إلى مصر كقوة قادرة على ضبط الإيقاع، وبعث رسائل التهدئة، وفتح قنوات الوساطة الذكية.
فهذه الدولة العريقة، رغم انشغالها بملفاتها الداخلية التنموية الكبرى، لم تتخلَ لحظة عن مسؤوليتها القومية في حماية الأمن العربي، ولم تُفرّط في شراكتها الإقليمية المتوازنة.
إن الذكاء السياسي للرئيس عبد الفتاح السيسي يتجلى في قدرته على التحرك في منطقة شديدة الحساسية دون أن يفقد توازنه، أو ينجرّ إلى محاور قد تفقد مصر استقلال قرارها.
ففي ظل الحرب النفسية والميدانية بين طهران وتل أبيب، لم ينحز الرئيس السيسي إلى التصعيد، ولم يذعن لضغوطات إقليمية أو دولية لدخول أي طرف. بل اختار أن يضع مصر في موقع “صانع السلام النشط”، وليس مجرد مراقب أو مُنحاز.
بلغة صريحة وعقلانية، حملت رسائل مصر على لسان الرئيس السيسي أكثر من مضمون:
• رفض التورط في أي صراع عسكري لا يخدم الأمن القومي المصري أو العربي.
• الدعوة للتهدئة وضبط النفس، والتأكيد على أن المنطقة لا تحتمل حربًا جديدة.
• السعي لاحتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية، والتواصل مع جميع الأطراف بما فيهم طهران وتل أبيب، وواشنطن.
هذا الموقف المصري لم يُقرأ باعتباره حيادًا سلبيًا، بل دهاءً سياسيًا مدروسًا يهدف إلى حماية المصالح المصرية والعربية، ومنع انزلاق المنطقة إلى أتون اللاعودة.
مصر.. الحارس الصامت لأمن الخليج
وبعيدًا عن الأضواء، تلعب القاهرة دورًا محوريًا في طمأنة حلفائها الخليجيين، فهي الحارس الصامت لأمن الخليج خاصة السعودية والإمارات والكويت، فمصر تعتبر أمنهم جزء لا يتجزأ من أمن مصر، وأن أي تهديد حقيقي لاستقرارهم سيواجه بموقف مصري حازم.
لكن في الوقت ذاته، تعي القيادة المصرية أن الانجرار إلى حرب مفتوحة لن يخدم أحدًا، وأن بناء الجسور خير من حفر الخنادق. لذلك، تواصل مصر العمل على ملفات خفض التصعيد، وإعادة تفعيل الدبلوماسية العربية المشتركة، التي طال غيابها.
ما يُحسب للرئيس السيسي ليس فقط الموقف، بل توقيت اتخاذه بدكاء وبراعة التحرك فيه ، ونوعية الرسائل التي يُمررها من خلاله. ففي عالم السياسة، لا يكفي أن تقول الصواب، بل يجب أن تقوله في التوقيت المناسب، وبالطريقة التي تُقنع الخصوم قبل الحلفاء.
وفي هذا، يُمكننا أن نرصد مجموعة من النقاط الذكية:
1. التواصل المصري مع الأطراف المتصارعة دون الإعلان عن ذلك صخبًا، ما يفتح المجال لمفاوضات خلف الكواليس.
2. التحرك عبر المنظمات الدولية والإقليمية للدفع نحو مفاوضات جادة، دون فرض وصاية على أحد.
3. الحفاظ على توازن العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا والصين، بما يضمن دعمًا متعدد الأبعاد لأي تحرك مصري في الأزمة.
صوت العقل
ووسط هذا العالم الذي يعلو فيه صوت السلاح، ويغيب فيه صوت الحكمة، يتجلى صوت العقل وتظل مصر – بقيادتها ومكانتها – هي الصوت الذي يُنصت له الجميع. فكلما اقتربت المنطقة من شفير الانفجار، كانت مصر هي الدولة التي تنزل بثقلها السياسي والدبلوماسي لتُخفف الضغط وتفتح نوافذ الأمل.
ولعل هذا ما جعل الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وحتى بعض القادة الإيرانيين والإسرائيليين، يعطون أهمية قصوى لأي موقف أو وساطة تقودها مصر، لأنهم يدركون أن القاهرة لا تتحرك من فراغ، ولا تُملي قراراتها مصالح ضيقة.
وختاماً .. فما بين العاصفة الإقليمية المشتعلة، وصراع القوى الكبرى، وسباق النفوذ، تبقى مصر هي القلعة الحصينة التي تحمي روح المنطقة من الانفجار، وتحافظ على توازنها رغم الانزلاقات.
ويقف على رأس هذه القلعة رئيس يدرك أن معارك الشعوب الحقيقية ليست دائمًا في ساحات القتال، بل في صالات التفاوض، وممرات السياسة، ومصانع التنمية.
الرئيس السيسي لم يختر أن يكون بطلاً أمام الكاميرات، بل رجلاً يقود من العمق، ببصيرة القائد، وهدوء رجل الدولة، وذكاء من يعرف متى يتكلم… ومتى يصمت ليسمع الآخرون.
وبين كل هذا، تظل مصر… صانعة القرار حين يتردد الآخرون، وواحة العقل حين يعم الجنون
د. تامر عبد القادر عمار
كاتب صحفي
خبير التسويق والتخطيط الاستراتيجي
مهتم بقضايات التنمية والعلاقات الانسانية

