هناك أشخاصٌ يمرّون في حياتنا مرور النسيم؛ لا يثيرون الصخب، لكنهم يتركون أثرًا لا يُمحى. هكذا كانت الدكتورة هويدا الجندي ، حضورًا هادئًا، وأثرًا عميقًا، وروحًا شفافة تمشي بين الناس بقلبٍ طيب وعقلٍ راجح.
كانت طيبة القلب على نحوٍ نادر. تلك الطيبة التي لا تُصطنع، ولا تُتكلّف، بل تنبع من أصلٍ كريم وتربيةٍ أصيلة. لم تكن تعرف القسوة طريقًا إلى حديثها، ولا الجفاء سبيلًا إلى تعاملها. كانت إذا ابتسمت، شعرت أن في الابتسامة دعاءً خفيًا بالخير، وإذا تحدّثت، أحسست أن الكلمات خرجت مغسولةً بالنقاء. طيبةٌ لا تضعف، ورقّةٌ لا تُنتقص من هيبتها، بل تزيدها احترامًا في القلوب.
أما رقيّها في التعامل، فكان مدرسةً قائمة بذاتها. كانت تعرف كيف تختلف دون أن تجرح، وكيف تنتقد دون أن تُهين، وكيف تناقش دون أن تتعالى. في زمنٍ باتت فيه الحدة عنوانًا لبعض الحوارات، اختارت هي لغة الاحترام، وأصرّت أن يكون الأدب إطارًا لكل تواصل. كانت تتعامل مع الجميع بذات المستوى من التقدير؛ الكبير والصغير، والزميل والمسؤول والمتدرب. لم تكن ترى في المناصب إلا مسؤوليات، ولا في الألقاب إلا أمانات.
ورجاحة فكرها كانت لافتةً لكل من جلس إليها أو قرأ لها. لم تكن أسيرة الانفعال، ولا رهينة اللحظة. كانت تنظر إلى الأمور بعينٍ متأملة، تزن الكلمة قبل أن تُقال، وتُقدّر أثرها قبل أن تُكتب. في مقالاتها، كان العقل حاضرًا بقوة، لكن القلب لم يكن غائبًا. كانت توازن بين المنطق والإنسانية، بين التحليل والرحمة، بين الموقف والثبات. ولهذا، كانت كتاباتها تُحترم حتى ممن يختلف معها.
في جريدة الأخبار نيوز، لم تكن مجرد كاتبة بين كُتّابها، بل كانت شعلة الجريدة عن جداره ، حضورها لم يكن شكليًا، بل كان فاعلًا ومؤثرًا. كانت تتحرك في صمت، تنجز دون تذمر، وتدفع بعجلة العمل بروحٍ إيجابية. إذا تأخر ملف، بادرت. إذا احتاج زميل دعمًا، حضرت. إذا طُلب رأي، كانت جاهزة برؤية واضحة ومتزنة. كانت طاقةً دافعة، وروحًا محركة، وصوتًا عاقلًا حين يشتد الجدل.
وصدمتنا بوفاتها المفاجئة كانت قاسيةً على القلوب. لم يكن في الأفق ما يُنذر بالفراق، ولم يكن في الحسابات ما يُمهّد لهذا الغياب. فجأةً، أصبح الخبر حقيقة، وتحول الاسم إلى ذكرى. كأننا كنا نؤجل فكرة الرحيل، وكأن الحياة كانت تمنحنا وهم الاستمرار. لكن الموت حين يأتي، لا يستأذن، ولا يُمهل. رحلت سريعًا، وبقي السؤال معلّقًا في صدورنا: كيف يمكن للغياب أن يكون بهذه السرعة، وبهذا الثقل؟
كانت لديها آمال وتطلعات لم تُكتب نهايتها بعد. كانت تتحدث عن مشاريع قادمة، وأفكار تنتظر التنفيذ، وخططٍ أرادت أن ترى النور. كانت تؤمن أن الغد يحمل فرصة جديدة، وأن العمل لا يتوقف عند إنجاز، بل يبدأ من بعده. كانت ترى في كل يوم مساحةً لإضافة جديدة، وفي كل تحدٍّ احتمالًا للنجاح. رحلت وأحلامها ما زالت معلّقة في دفاترها، لكنها تركت لنا ما يُشبه الوصية الصامتة: أن نكمل الطريق بنفس الشغف، ونحمل الرسالة بنفس الإخلاص.
وعلى الصعيد الشخصي، كانت أختًا راقية وخلوقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لم تكن تبخل بمعلومة، ولا تضنّ بخبرة، ولا تحتفظ بمعرفة لنفسها. كانت تؤمن أن العلم إذا لم يُشارك، يذبل. كم من زميلٍ تعلّم منها فكرة، وكم من شابٍ وجد عندها توجيهًا، وكم من حائرٍ وجد في نصيحتها بوصلة. كانت كريمةً في عطائها، سخيةً في وقتها، صادقةً في دعمها.
لم تكن تحب أن تتصدر المشهد، لكنها كانت دائمًا في قلبه. لم تسعَ إلى الأضواء، لكنها كانت جديرةً بها. لم تتكلف الحضور، لكنه كان يفرض نفسه بفضل شخصيتها المتزنة وأخلاقها العالية.
اليوم، ونحن نكتب عنها، نشعر أن الكلمات مهما طالت لن تُحيط بها. فبعض الأرواح أكبر من أن تُختصر في مقال، وأعمق من أن تُختزل في سطور. لكن عزاءنا أنها تركت أثرًا طيبًا، وسيرةً عطرة، وذكرًا حسنًا بين الناس. وهذه أعظم شهادة يمكن أن ينالها إنسان.
نسأل الله أن يتغمّد الدكتورة هويدا الجندي بواسع رحمته، وأن يجزيها عن علمها وعملها خير الجزاء، وأن يجعل طيبة قلبها، ورقيّ تعاملها، ورجاحة فكرها، وكل ما قدمته من خير، في ميزان حسناتها. وأن يُلهمنا جميعًا الصبر على فراقها، وأن يربط على قلوب أهلها ومحبيها وزملائها.
رحل الجسد، وبقيت القيم، وغابت الصورة، وبقي الأثر ، وإنا لله وإنا إليه راجعون

