في إحدى قضايا الرؤية التي توليت الدفاع فيها، أقامت الأم دعوى قضائية طالبت فيها بتعديل وتنفيذ الرؤية بصورة تؤدي عمليًا إلى حرمان الأب من رؤية أبنائه، مستندة إلى ادعاءات مفادها أن الأب يسبب حالة نفسية للأطفال، وأنه يحضر إلى الرؤية في هيئة غير لائقة، كما استندت إلى مفاهيم عامة متعلقة بحقوق الطفل ومصلحته الفضلى.
وأمام المحكمة كان السؤال الأهم:
هل يجوز حرمان الأب من حقه في رؤية أبنائه لمجرد ادعاءات لم تثبت بدليل قاطع؟
وهل تتحقق مصلحة الطفل بإبعاد أحد والديه عنه؟
لقد تمسكت هيئة الدفاع بحق الأب الشرعي والقانوني في رؤية أبنائه، وأوضحنا أن الأصل هو استمرار صلة الأب بأبنائه، وأن المنع أو التقييد استثناء لا يُصار إليه إلا إذا ثبت ضرر حقيقي وجسيم وثابت بالأدلة.
وقد انتهت المحكمة إلى رفض الدعوى، مع تأييد حق الأب في الرؤية بالمكان المخصص لها، ليؤكد الحكم مبدأ مهمًا مفاده أن حق الطفل في التواصل مع والديه لا يجوز المساس به إلا وفق ضوابط قانونية دقيقة.
أولًا: الرؤية في ميزان الشريعة الإسلامية
جاء الإسلام حريصًا على صلة الأرحام وعدم قطع الروابط الأسرية، وجعل بر الوالدين والإحسان إليهما من أعظم القربات.
قال الله تعالى:
﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾
سورة لقمان – الآية 15.
فإذا كان القرآن الكريم يأمر بحسن الصحبة والبر حتى مع الوالد غير المسلم، فكيف يُتصور أن يُحرم الأب من رؤية أبنائه بغير سبب ثابت ومحقق؟
كما قال رسول الله ﷺ:
«لا يدخل الجنة قاطع رحم».
ومن ثم فإن الحفاظ على الروابط الأسرية ليس مجرد حق قانوني، بل هو قيمة شرعية وإنسانية أصيلة.
ثانيًا: الرؤية في ميزان القانون
كفل القانون المصري حق غير الحاضن في رؤية أبنائه، باعتبار أن الرؤية ليست حقًا للأب أو الأم فقط، بل هي حق أصيل للطفل أيضًا.
فوجود الأب في حياة أبنائه يمثل عنصرًا مهمًا من عناصر التربية والتوازن النفسي والاجتماعي، ولذلك فإن القضاء المصري استقر على حماية هذا الحق وعدم المساس به إلا إذا ثبت ضرر حقيقي يهدد مصلحة الصغير.
والأصل في القضاء أن الادعاء يحتاج إلى دليل، أما الأقوال المرسلة والاتهامات المجردة فلا تكفي لإهدار حق ثابت كحق الرؤية.
ثالثًا: ماذا تقول الدراسات النفسية؟
تؤكد العديد من الدراسات والتوصيات الدولية المعنية بالطفولة أن الطفل يحتاج إلى علاقة صحية ومستقرة مع والديه كلما أمكن ذلك.
كما تؤكد الجهات الدولية المعنية بحقوق الطفل أن من مصلحة الطفل الحفاظ على الروابط العائلية والعلاقات الأسرية، وأن حرمان الطفل من أحد والديه دون مبرر حقيقي قد ينعكس سلبًا على نموه النفسي والاجتماعي.
فالطفل لا يحتاج إلى صراع بين أبويه، وإنما يحتاج إلى الشعور بالأمان والانتماء والمحبة من الطرفين.
حقوق الطفل لا تعني إقصاء أحد الوالدين
من الأخطاء الشائعة تفسير حقوق الطفل على أنها وسيلة لإبعاد أحد الوالدين عن حياة أبنائه.
فحقوق الطفل في جوهرها تقوم على توفير بيئة آمنة ومتوازنة، وعلى استمرار الرعاية والاهتمام من الأب والأم معًا قدر الإمكان.
ولهذا فإن استخدام شعارات حقوق الطفل لتبرير قطع الصلة بين الأب وأبنائه دون سند حقيقي يتعارض مع المقاصد الأساسية لحماية الطفل.
رسالة أخيرة
إن الخلاف بين الزوجين بعد الانفصال لا ينبغي أن يتحول إلى معركة يدفع ثمنها الأبناء.
فالطفل ليس أداة ضغط، وليس طرفًا في النزاع.
وكلما حافظ الأبوان على حق أبنائهما في التواصل معهما معًا، كان ذلك أقرب إلى تحقيق المصلحة الحقيقية للطفل.
لقد جاء حكم المحكمة برفض الدعوى وتأييد الرؤية ليؤكد أن العدالة لا تبنى على الادعاءات المجردة، وأن حق الأب في رؤية أبنائه يظل حقًا مشروعًا تحميه الشريعة والقانون ما لم يثبت ما يبرر تقييده وفقًا لأحكام القانون.

