بقلم د/ عبدالهادي الكناني
في حياتنا اليومية، نواجه مواقف متعددة تتطلب منا أن نتفاعل مع الآخرين، خاصة في موضوعات تتعلق بالآراء والأفكار. كثيراً ما يدخل الناس حياتنا بمواقفهم وآرائهم، ويحاولون إقناعنا بأن رأيهم هو الصواب المطلق، وأن مناقشتهم وتحاورنا معهم ليست إلا سبيلًا لعرض وجهة نظرهم فقط، دون أن يتقبلوا حق الاختلاف.
لكن الحقيقة أن الحياة ليست مسألة رأي واحد، ولا يمكننا أن نُقنِع الآخر بأن ما نراه هو الحق المطلق، لأن لكل إنسان تجربته ومفاهيمه التي تشكّل رؤيته للعالم. لذلك، فإن الحوار الحقيقي لا يكون بمحاولة إظهار أن رأينا هو الصواب المطلق، وإنما بتبادل الأفكار بشكل يُحترم فيه الآخر، وتُبنى على أسس من الحكمة والتواضع، بحيث يكون الهدف هو التعلم وليس إعاقة الآخر أو فرض الرأي بقوة.
وفي كثير من الأحيان، يتحول الحوار إلى ساحة يسيطر عليها ادعاء الفضيلة، حيث يعتقد البعض أنه الوصي على تطبيق شرع الله، وأن معه مفاتيح الجنة، وأن رأيه هو المعيار الوحيد للحق. هذا التصور خطير، لأنه يغذي النزاعات ويستلزم فرض الرأي بقوة، مما يبعدنا عن روح الإسلام الحقيقية التي تدعو إلى الرحمة والتواضع والتفاهم.
الحوار الصحيح ينبغي أن يكون وسيلة للتعارف وليس للتعصب، وأن نكون مستعدين للاستماع قبل أن نُرغِم الآخرين على إتباع رأينا، فكل انسان مسؤول عن أعماله، ونحن مسؤولون عن نبل مقصدنا في الحوار، وليس عن فرض آرائنا بالقوة أو الادعاء بأننا نملك الحقيقة المطلقة.
وفي النهاية، فإن الحكمة تقتضي أن نبتعد عن فرض الرأي بشكل يسيء إلى الآخر، وأن نُدرك أن الاختلاف سنة من سنن الحياة، وأن الإسلام يعلّمنا أن الحوار بالتي هي أحسن هو سبيل الحق، مع التواضع والاحترام، وليس بادعاء الفضيلة الذي يبتعد بنا عن روح التفاهم والتسامح.
فلنتذكر دائمًا أن الحق الحق، وأن من يختاره الله هو الذي يرجح، وما علينا إلا أن نكون وسطاء بالقول والكلام، عسانا أن نكسب قلوب من نحب ومن يخالفنا في الرأي، فالحكمة ضالة المؤمن، وأساسها حسن التصرف في القول والعمل.

