بقلم الدكتور / عبد الرحمن رمضان أمين
الخبير التربوي الدولي
واستشاري النفسي والأسري وتعديل السلوك
والمحاضر بالجامعة الإسلامية بأمريكا
_ من دلائل عظمة القرآن أنه حينما ذكر الزواج لم يذكر الحب ، وإنما ذكر المودة والرحمة والسكن { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} … سكن النفوس بعضها إلى بعض ،، وراحة النفوس بعضها إلى بعض ،، وقيام الرحمة وليس الحب ،، ووجود المودة وليس الشهوة .
_الرحمة والمودة مفتاح البيوت ؛؛ فالرحمة تحتوي على الحب ، لكن الحب لا يشتمل على الرحمة أحيانا ،، والحب يكون في القلب أما الود فهو سلوك وتعامل ؛؛ لذلك فكل ودود مُحب ولكن ليس كل مُحب ودود .
_ فإذا كان أساس بناء البيوت الشهوة فسرعان ما تنقلب عدوانا ،، وإذا كان أساسها هو الحب فقط فسرعان ما ينقلب إلى كراهية .
والأمثلة من الواقع كثيرة ؛؛ فأحيانا تتعجب ممن تزوجوا عن حب عميق ما يحدث بينهم من عداء ومشاكل وربما طلاق ؛ ذلك لأنهم لم يبنوا علاقتهم على أساس متين من الأخلاق والمودة والرحمة وتقوى الله في معاملة كل منهما للآخر .
_سألته : وما الحب في رأيك ؟
فأخبرها : أن يغلب حبي لربي شوقي إليكِ فلا أعصيه فيكِ ، فأنا أريد أن أحبك حبا لا يحرمني منكِ في الدنيا ، ويجعلك حوريتي بإذن الله في الجنة ، (ما أعظمه من حب !! ) .
_ والرحمة أعمق من الحب وأصفى وأطهر ؛ ففيها الحب ، و فيها التضحية ، وفيها إنكار الذات ، وفيها التسامح ، وفيها العطف ، وفيها العفو ، وفيها الكرم … فكلنا قادرون على الحب لكن القليل منا فقط هم القادرون على الرحمة .
_ الرحمة والمودة تمنحك الأمان العميق ، الأمان في شخص تستطيع أن تقول له حتى الكلام الذي تخاف أن تقولهُ بينك وبين نفسك .
_ الرحمة والمودة تجعلك تشعر أنك مع شخص لن تهون عليه أبدا ، وأنك بمأمن لو أخطأت ، وأنك لن تُترك ولو شعروا برغبة في الرحيل ، فلا شيء أجمل من أن تعرف أن خاطرك سيشترى على الدوام ، وأن دمعتك ستمسح مهما كان الظرف ، وأن يدك لن تُفلت مهما كان الوضع معقدًا .
فالعبرة بمن يتعامل بالمودة والرحمة وتقوي الله ، وليس العبرة بالحب والغرام (فانتبهوا) .
_ وسؤالي هنا من أين تأتي المودة والرحمة في بيوتنا ؟؟!!
والإجابة : تكمن في قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) . فبالتقوي والإيمان والعمل الصالح سيجعل الله عزوجل لكم مودة في قلوب خلقه عامة وداخل بيوتكم خاصة ، فتجدون السعادة والأمان .
_ فإذا لم يوجد الإيمان والعمل الصالح لا توجد المودة ولا الرحمة ؛؛ لأن المودة والرحمة رزق ، والحب الذي يأتي معهما رزق من الله تعالى؛؛ ولذلك حينما عاتب السيدة عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ في حبه لخديجة رضي الله عنها قال لها ﷺ : يا عائشة ، وماذا أصنع وقد رزقني الله حبها ؟! .
_ كذلك من أسباب المودة والرحمة والحب داخل البيت هو الإحسان ،، وهو أن يحسن كل واحد منهما للآخر ، وليس كل واحد منهم يحاسب الاخر على ما قدم له ، ويقف كل منها على خطأ الآخر ، قال تعالى : {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} ، قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: (إن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها) .
_ فالزواج وبناء البيوت ليست علاقة جنسية فقط ، وإنما هي حياة عمادها الأخلاق الطيبة ، والإحسان ، والتعامل بما يرضي الله ورسوله ، ومراعاة كل منهما الآخر ، فلا هو يستنفذ طاقتها ، ولا هي تستنفذ طاقته .
_ قال رسول الله ﷺ : (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) فالقياس الحقيقي الذي يقاس به صاحب الفضل والأخلاق ليس سمعته بين الناس وإنما بأخلاقه وتعامله مع أهله.
_ سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها : ما كان رسول الله ﷺ يعمل في بيته؟، قالت : كان بشرا من البشر يخيط ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه وأهله.
_ قال رسول الله ﷺ :(إنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى فم امرأتك) ،إنها المحبة والرومانسية الحقيقة من الهدي النبوي.
_ فاتقوا الله في بيوتكم ، وتعاملوا بالمودة والرحمة والإحسان حتى ولو يكن هناك حب ؛ فهذا من صلاح البيوت وعمق الإيمان والتقوى ؛ ولذلك لما جاء رجل للإمام على بن أبى طالب_ كرم الله وجهه _ يسأله ، فيمن يزوج ابنته؟ ، فقال : “زوجها لمن يتقى الله تعالى فيها ، فإن أحبها أكرمها ، وإن كرهها لم يظلمها”.
_ “اللهم ألِّف بين قلوبنا ، وأصلح ذات بيننا ، واهدنا سبل السلام ، اللهم جنِّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وبارك لنا في أنفسنا وفي أزواجنا وذرياتنا ، واجعلهم لنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

