بقلم دكتورة دعاء معاطي
كثيرًا ما يمر بحياتنا أشخاص قد تكون كلماتهم الطيبة نورًا، تجعلك تشعر بالسعادة، تراهم أملًا جديدًا، أو روحًا تشبه أرواحًا طيبة أحببتهم وفقدتهم. في قربهم، تشعر بودٍّ قديم كنت تشعر به مع أهلٍ لك قد ولَّوا، وفجأة تكتشف أن هؤلاء البشر لا يشعرون معك بنفس الشعور، لا يُقدِّرونك نفس التقدير، يرونك بشكل أقل مما تستحق، رغم أنهم منذ زمن قريب كانوا ينظرون إليك بانبهار. هنا تشعر بأن مصباحًا أشعلته في حجرتك قد كُسر وحلَّ الظلام، وتبدلت عاطفة الود تجاههم إلى شعور غريب، وعاطفة القرب إلى غربة. نور المصباح تحوَّل في عينك إلى ظلام.
هل ستقف طويلًا في هذه العتمة؟ العقل يقول إن مصباحك في عالم المشاعر بداخلك أنت، والنور المضاء بداخلك هو ما يضيء الكون لك. لا تتوقف عن السعادة، وتَعلَّم في هذه الحياة أن لا أحد يدوم لأحد، وأن القلوب ليست كلها مثل قلبك. اِفرد ظهرك وأَعِدِ الانبهار إلى أعينهم، أَعِدهم كما كانوا غرباء. هل هذا كلامي؟
الجواب ليس من كلامي بل من كلام رب الأرباب في قوله تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ﴾.طه ١٦
هذه العصا التي ألقاها موسى من يده وتحوَّلت إلى أفعى تسعى، رغم أن موسى نبيٌّ ويعلم تمام العلم أنها معجزة الله وأنها أُنزلت لنصرته، إلا أنه لما كبرت أمامه بهذا الشكل انتابه خوف منها. فشعر ربه بقلبه الخائف فقال له: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ﴾. وهكذا حالنا مع بعض البشر؛ يأتون إلينا يهابوننا ويطلبون الود، وما إن نفتح الطريق لهم ونتعامل معهم ببساطة أصلنا، يتحول الانبهار إلى استهتار. علينا حالًا أن نُرجعهم مكانهم ونفرد ظهورنا في وجوههم ونُعيدهم سيرتهم الأولى؛ فالحياة قصيرة، والكرامة ليس لها قطع غيار.

