لم يكن في زنزانة،
لكن رأسه كان مغلقًا عليه بإحكام.
يستيقظ كل صباح متأخرًا، ليس لأنه لا يريد النهوض،
بل لأنه كان يحتاج ساعة كاملة ليغلق باب الشقة “بشكل صحيح”.
يفتحه… يغلقه… يشد المقبض… يعدّ حتى سبعة… ثم يعيد من البداية.
كان يعرف أن الباب مغلق،
لكن الوسواس لم يكن يصدّق.
في الطريق، يتجنب لمس الناس، لا خوفًا منهم،
بل خوفًا مما سيعلّق بعقله بعد ذلك.
صافح مرة صديقًا،
فقضى اليوم كله في الحمام يغسل يديه،
ليس لأنهما متسختان…
بل لأن الفكرة قالت له إنهما كذلك.
في العمل، كان يبدو هادئًا، منظمًا، مثاليًا.
لا أحد رأى المعركة الداخلية:
إعادة قراءة الإيميل عشر مرات قبل الإرسال،
مراجعة كل كلمة،
الخوف من أن تكون هناك جملة “ناقصة” ستدمّر كل شيء.
عاد يومًا من العمل،
وجد نباتًا صغيرًا على الرصيف.
توقف أمامه طويلًا،
أراد أن يلمسه…
لكن الفكرة سبقت يده:
وماذا لو؟
تركه ومشى.
ومشى معه إحساس ثقيل:
أنه يبتعد عن الحياة خطوة خطوة.
الوسواس لم يكن صراخًا،
كان همسًا مستمرًا:
“خلي بالك… تأكد… ما تسيبش”.
حتى جاء اليوم الذي انهار فيه،
ليس انهيارًا دراميًا،
بل تعبًا كاملًا.
جلس على الأرض وقال:
“أنا تعبت… مش قادر أعيش كده.”
طلب المساعدة.
تعلم في العلاج أن مقاومة الفكرة ليست الحل،
وأن الطقوس هي السلاسل التي تكبّله.
تعلم أن يلمس الباب مرة واحدة ويمشي،
أن يترك الفكرة تصرخ دون أن يهدئها،
أن يثق في الواقع أكثر من رأسه.
لم يتحرر في يوم،
تحرر في لحظات صغيرة:
يوم لم يعد ليغسل يديه مرة إضافية،
يوم أرسل الإيميل دون مراجعة عاشرة،
يوم لمس النبات.
اليوم، يمشي في الشارع ببطء،
ينظر للسماء،
يخطئ أحيانًا
ولا يعاقب نفسه.
لم يصبح شخصًا بلا أفكار،
بل شخصًا لا يخضع لها.
خرج من سجن الوسواس،
وعاد إلى الطبيعة…
حيث لا شيء كامل،
ولا شيء يحتاج إلى تأكيد.
رسالة توعية
الوسواس القهري قد يحبس الإنسان داخل تفاصيل يومية بسيطة،
لكنه قابل للعلاج،
والتعافي لا يعني اختفاء الأفكار،
بل استعادة الحرية.
لو شعرت أن حياتك تُدار بالخوف والتأكد،
فهذا ليس ضعفًا…
بل نداء للعلاج.

