بقلم الدكتورة دعاء معاطي
الحقيقة أود أن أنوّه أن قدرة جبر الخواطر هي سلوك تعلمته من جدتي. كانت جدتي تقول: “سيمضي كل شيء، وصاحب الخير يقول يا ليتني أكثرت، وصاحب الشر يقول يا ليتني ما فعلت”. كان كلام جدتي يمر عليّ في طفولتي وأنا لا أفهم ما تقول، ولكني أشعر فقط أنه كلام له ذوق مختلف.
ثم كبرت وتدرجت في الدرجات العلمية، وفي درجة علمية ما انقطعت عن الدراسة وذهبت لأستاذي. بعد فترة، وجدته غاضبًا جدًا، ولسان حاله يقول لي: “كنتِ فين يا هانم؟”. أعطيته الرسالة. الحقيقة كان خلوقًا جدًا، ولكني شعرت في هذا اليوم بأن هناك ضغوطًا نفسية عليه. كان غاضبًا إلى أقصى درجة، لم ينظر في الأوراق وأسمعني كلمات مهذبة ولكنها محرجة لأي باحث. فلم أرد عليه وخرجت وأنا أبكي كثيرًا، فتحطمت لي أحلام كثيرة ما حلمت بها، ورأيت الطرقات ضيقة والعربات صغيرة، وكل أحلامي تبخرت.
وفجأة وفي وسط زحمة الطريق وضجيج كل شيء، وجدت طفلًا لا يتجاوز العشر سنوات في عز الحر، تكاد ملامحه لا تظهر من كثرة الحر والعرق والتراب. نظرت إليه فوجدت معه أكياسًا من الليمون. هنا حدثت نفسي: “تبكين لماذا؟ لديك دخل وتستطيعين تغيير كل مصير، ماذا يفعل هذا الطفل في هذه الحياة الصعبة؟”. وعبرت إليه الطريق. كان متبقيًا معه ثلاثة أكياس من الليمون، اشتريتها منهم جميعًا وقلت له: “اذهب إلى بيتك”.
الحقيقة كان معي شخص خفيف الظل سخر مني وقال: “فكرة رائعة! ستفتحين مشروع ليمون طالما الدرجة العلمية ستبوظ”. نظرت ولم أرد وقلت له: “لا، سأعمل عصير ليمون كثيرًا لأستحمل خفة ظلك”. ولم تمر أكثر من عشر دقائق وإذا بالأستاذ يتصل ويعتذر ويشيد بما كتبت، ويقسم أنه لن يغادر الجامعة حتى أعود إليه. وفعلاً عاودت وتراضينا، وهنا أدركت ما كانت تقوله لي جدتي أن جبر الخاطر رزق لك وليس لمن تجبر خاطره، وحصلت على الدرجة العلمية بأعلى تقدير.
وتمر الأيام وتعلمت من الدرس أن جبر الخاطر هو الحل. وأقع في مشكلة حياتية كنت أظن أنه لا حل لها، وضاقت الدنيا بعيني. فالخصم هذه المرة شخصية مسؤولة كبيرة لا يقتنع برأي. وجلست أهدئ من غضبي في أحد محلات العصائر وعيني على الطريق، أين أجد جبر الخاطر؟ وجميع من حولي لا يعرفون عن أي شيء أحلق. وفجأة تظهر فتاة من المتسولات وتدخل المحل وتطلب المساعدة من امرأة أربعينية، فأعطتها فقط شريحة تفاح من طبق الكوكتيل الذي كانت تأكله. وفي هذه اللحظة عرفت أنها هي مفتاح حلي، فناديت إليها وجبرت خاطرها بطريقتي، ثم طلبت من صاحب المحل أن يعطيها أكبر كوكتيل وسألتها: “هل أنت سعيدة؟” ضحكت وجرت وقدميها من الفرحة لا تلمس الأرض.
وهنا لمعت لي فكرة أن أشتكي القيادة لرئيسها بشكل مهذب. وذهبت في الصباح وفعلت ورددت لينفذ ما كلف به من رئيسه. وسألني: “أنت تشتكينني يا دكتورة؟” فأجبت: “لا، رفعت الأمر لولي الأمر”. فضحك وقال: “وولي الأمر كلفني أن أفعل لك ما تريدين”. وهنا تأكدت من كلام جدتي أن جبر الخاطر رزق لي أنا. كلما وقعت في مشكلة أجد الحل فيه قصصت هذه المواقف لأربط القضية بأحداث حقيقية فيصل المعنى للقارئ. أجبروا خواطر البشر تتحقق أحلامكم.

