بقلم دكتورة دعاء معاطي
نُقابل في حياتنا اليومية أشخاصًا مصابين بالعظمة، لديهم حاجة مفرطة إلى سماع تواشيح الإعجاب. عندما يحبك النرجسي، فإنه يحبك من أجل نفسه، يحبك دائم الثناء عليه، ويُبيح لنفسه كل سبل العظمة. يعتبرون أن النجاح حكرًا عليهم، حتى لو كانت نجاحاتهم مرهونة على أوهام في مخيلتهم. هم فقط يحبونك إذا اكتفيت بالتصفيق لهم. هؤلاء هم من وصفهم علماء النفس بـ النرجسيين.
هو يحبك لأنك تمدحه وتتحدث عن إنجازاته، وتكون معه في هذه اللحظة في وفاق وود، ولطيف، ومحبوب. أما إذا فكرت في أن تنجح أنت، فإنه يُصادر عليك كل طريق تطرقه، ولو ملك أن يضع لك في كل طريق حجرًا لفعل. هذا في وفاقه.
أما خصامه فهو المضحك. إن اشتكيت مما يفعله معك أو احتججت أو تذمرت، يستكثر الأمر عليك، وكيف تعترض على أنه يقف في طريقك! ويرسل شعارات ما أنزل الله بها من سلطان، مثل عبارة: “الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية”.
الحقيقة أن الخصومة الحقيقية هي التي تُقام على أمر يستحق، ويُقدرها الجاهل والعالم والضعيف والقوي. نتذكر جميعًا موقف أبي جهل عندما همَّ أن يقتل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ورفض تكسير الباب حتى لا يُعاير بين القبائل بأنه روَّع نساء محمد. وهذا هو النرجسي في خصومته، مُتمثلًا في أبي جهل؛ فعندما أراد أن يفعل شيئًا كريمًا رغم كل مصائبه، فعله من أجل نفسه فقط.
كيف تتعامل مع النرجسي؟
* لا توافقه ولا تخاصمه: لا تشغل نفسك بنقده لك، ستمر عليهم الأيام وهم واقفون في مكانهم.
* لا تُعطِ الأمر أكبر من حجمه: هو لا يقصدك أنت شخصيًا، بل يحارب كل شخص ناجح، لأن ما لديه هو اضطراب نفسي.
* ضع حدودًا واضحة: يميل النرجسي إلى التطفل على حياتك، لذا ضع له حدودًا فاصلة ليعي أن ما فعله مع غيرك لن يستطيع أن يفعله معك.
* لا تهتم بغطرسته: وشعوره الدائم بأنه الأفضل، فالعظيم والشريف لا يختصم مع البشر بدون أسباب. وفي كل مكان له ضحية جديدة.
خلاصة القول
الود مع أهل الود، والحب مع أهل الحب. أما عبارات مثل “تقبلوا الشرفاء وإن كانوا خصومكم” ومثيلاتها، فيقولها في الغالب بشر كثرت خصوماتهم فالشريف لا يختلق العداوة والخصومة . وقد حسم الله تعالى هذا الجدل في سورة الفرقان، حيث يقول سبحانه: “{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}”.
هذه الآيات توضح أن عباد الرحمن هم الذين يمشون في الأرض مُتحابين، لا ينتصرون إلا للحق، وحتى لو خاطبهم الجاهلون قالوا: سلامًا. لم يذكر الله تعالى في صفات عباده أنهم يفتعلون الخصومات مع البشر ويطالبون بتقبلها

