في زحام المجتمعات العربية المعاصرة، هناك قصة نادراً ما تُروى، وهموم قلّما تُسمع: إنها معاناة الرجل تحت وطأة التوقعات المجتمعية الصارمة. في صمت، يتحمل الرجل أعباء “القهر” الذي يأتيه أحياناً من المجتمع، وأحياناً من الظروف، وأحياناً من نفسه، في مشهد درامي معقد يجمع بين واجباته الملقاة على عاتقه وحقوقه المسلوبة تحت شعار “الرجولة”.
مفهوم القهر بين الجنسين
لطالما كان الحديث عن “القهر” موجهاً نحو المرأة، وهو حديث محق ومهم. لكن ما يغفله الخطاب الاجتماعي هو أن الرجل أيضاً قد يكون ضحية قهر صامت. قهر الرجل لا يأتي بالضرورة من المرأة، بل غالباً من المجتمع الذكوري نفسه، ومن التوقعات غير الواقعية، ومن نظام أبوي يضع الرجل في قفص من “الواجبات” دون أن يسأله عن “مشاعره” أو “طموحاته” أو “حدوده”.
يقول علم النفس: حين يُمنع الإنسان من التعبير عن ضعفه، يتحول الضعف إلى كبت، والكبت إلى انفجار عاطفي مدمر أو خرس وجداني مزمن.
أين يتجلى قهر الرجال؟
- قهر المسؤولية المبكرة
منذ نعومة أظفاره، يُزرع في الرجل أنه “رب أسرة المستقبل” و”عمود البيت”. مجرد كونه ذكراً يعني أنه مطالب بأن يكون معيلاً، حتى لو كان لا يزال طالباً، أو عاطلاً عن العمل، أو يمر بضائقة مالية. القهر هنا يبدأ عندما تُربط قيمته كإنسان بقدرته على الإنفاق.
- قهر المشاعر (الرجولة المسمومة)
أقسى ما يواجهه الرجل هو مقولة: “الرجال ما يبكون”، و”الرجل ما يشتكي”. يُجبر على ابتلاع آلامه، وكتم خيباته، وإخفاء مخاوفه. المجتمع لا يمنحه مساحة للضعف، فيتحول إلى كائن حجري، يُحسد على صلابته لكنه يموت من الداخل بصمت.
يقول عالم النفس الاجتماعي “جوزيف بليك”: “الرجولة الحقيقية ليست في غياب الخوف، بل في القدرة على التعامل معه. وعندما نجرد الرجل من حقه في الخوف، نجرده من إنسانيته.”
- قهر قانوني واجتماعي
في كثير من قوانين الأحوال الشخصية العربية، يُنظر إلى الرجل باعتباره “الملزم الأول” بالنفقة، حتى لو كانت الزوجة تملك ثروة، وحتى لو كان الرجل عاجزاً عن العمل. يتحمل أعباء مالية طوال حياته الزوجية، وبعد الطلاق قد يستمر الإلزام. القهر هنا قانوني، يضغط على الرجل مالياً ونفسياً دون النظر إلى ظروفه الفردية.
- قهر الصورة النمطية
الرجل الذي يختار العمل في مهن “غير ذكورية” كالتمريض أو التدريس أو الطبخ، يواجه انتقادات مجتمعية لاذعة. الرجل الذي يرغب في البقاء في المنزل لتربية أطفاله بينما تعمل زوجته، يتعرض للتهميش والسخرية. المجتمع يرسم للرجل صورة واحدة، وكل من يحيد عنها يُعاقب بالتنمر أو النبذ.
- قهر الأولوية
صحة الرجل النفسية والجسدية غالباً ما تكون في ذيل الأولويات. الرجل لا يذهب للطبيب إلا مضطراً، لا يعترف بإرهاقه النفسي، لا يطلب المساعدة. المجتمع علمه أن “الرجال ما يتكسروا”، فيستمر في العمل حتى الانهيار، لأنه يعلم أن توقفه يعني خذلانه لمن يعولهم.
قهر الرجل من المرأة
لا يمكن إنكار أن بعض النساء قد يمارسن قهراً على أزواجهن، لكن العكس أيضاً صحيح. القهر المتبادل في العلاقات الزوجية غالباً ما يكون نتاج خلل في التواصل، أو ضغوط اقتصادية، أو تدخلات عائلية. لكن الفارق أن قهر الرجل اجتماعياً يُنظر إليه غالباً باستخفاف، وكأنه لا يحق له الشكوى أصلاً.
تقول الكاتبة المصرية “نوال السعداوي”: “ظلم الرجل لا يقل بشاعة عن ظلم المرأة، فالظلم ظلم أينما وُجد، والإنسان إنسان بغض النظر عن جنسه.”
هل القهر مبرر؟
لا أحد يدّعي أن الرجل هو “الطرف المظلوم الوحيد” في المجتمع، ولا أن معاناته تفوق معاناة المرأة. كلا الجنسين يعاني تحت أنظمة أبوية صارمة. القصد هو تسليط الضوء على معاناة مسكوت عنها، لا للمقارنة ولا للمنافسة، بل للاعتراف بأن القهر لا يختار جنساً، وأن معالجة الظلم تحتاج إلى رؤية شاملة لا تهمش أحداً.
كيف نواجه قهر الرجال؟
إعادة تعريف الرجولة: أن تكون رجلاً لا يعني أن تكون قاسياً أو صامتاً أو معيلاً وحيداً. الرجولة الحقيقية في الأخلاق وتحمل المسؤولية دون التخلي عن الحق في المشاعر.
تطوير القوانين: قوانين الأحوال الشخصية والنفقة تحتاج إلى إعادة نظر لتحقيق توازن حقيقي بين حقوق وواجبات الزوجين.
توعية نفسية: منح الرجل مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره دون خوف من فقدان هيبته أو رجولته.
كسر الصور النمطية: تقبل تنوع أدوار الرجال في المجتمع، ودعم الخيارات الفردية بعيداً عن التصورات الجاهزة.
الصحافة والإعلام: تناول الموضوع بحساسية وتوازن، دون تحويله إلى سجال عقيم بين الرجل والمرأة.
خاتمة
قهر الرجال ليس صرخة في وجه المرأة، بل هو صرخة في وجه نظام اجتماعي يطلب من الرجل أن يكون خارقاً ليجد له مكاناً على هامش الحياة. مجتمع لا يقبل ضعف الرجل، ولا يسمح له بالانهيار، ولا يرحمه حين يسقط، هو مجتمع يحتاج إلى وقفة مراجعة عميقة.
المساواة الحقيقية لا تعني أن ننتقل من ظلم المرأة إلى ظلم الرجل، بل أن نصنع مجتمعاً يسع الجميع، يسمح للجميع بأن يكونوا بشراً، قبل أن يكونوا رجالاً أو نساءً.
“الرجولة ليست درعاً من حديد، بل هي قلب ينبض، وعقل يفكر، وروح تتألم وتأمل.. مثل أي إنسان آخر.”

