بقلم ا. سبيله صبح
” إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ”
ضرب الله عزوجل لنا أروع أمثلة الصبر التى لم تشهد البشرية مثلها من قبل ولم نسمع بمثلها حتى تاريخنا هذا ، إنه صبر سيدنا أيوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ،
فقد آتاه الله النبوة ورزقه مالا كثيرًا وكذلك مَنَّ عليه بالزوجة الصالحة وكثرة البنون .
**ابتلاء أيوب وفقده عائلته ..
أراد الله سبحانه وتعالى أن يختبر صبره وقوة إيمانه وهو سبحانه أعلم به ، فأصابه الفقر ، ومات بنوه واحدًا تلو الآخر ، وأصابه المرض حتى أنه لم ينج عضو من جسده سوى قلبه ولسانه ؛ ورغم كل ذلك كان صابرًا مُحتسبًا ذاكرًا لربه ليله ونهاره ،
.. طال بأيوب المرض حتى انقطع عنه الجميع وهجروه خشية العدوى ولم يمكث بجانبه ، أو يَحنو عليه سوى زوجته التى كانت تتذكر فضله وإحسانه ،
وكانت تخدم الناس حتى تأتى له بالطعام رغم ذلك كانت زوجته هى الأخرى صابرة مُحتسبة .
اشتد البلاء بأيوب حتى تساقط لحمه ولم يبق سوى العظم والعصب فطلبت منه زوجته أن يسأل الله أن يُفَرِّجَ عنه فكان دائما يأبى ويذكرها بأنه عاش سنوات كثيرة فى صحة ونعم فلا يصح له أن يجزع .
ثم إن الشيطان تمثل لزوجته بصورة طبيب فأخذته وأدخلته على أيوب ليعالجه فأصابه بالآلام والعذاب فأدرك أيوب أنه الشيطان فطرده ثم أقسم ليضربن زوجته بالسوط مائة ضربة .
..دعاء أيوب بكشف الضر واستجابة الله ..
ازدادت الأحوال سوءًا واضطُرت زوجة أيوب أن تبيع ضفائرها لتطعمه وعندما علم أيوب انزعج ولجأ إلى الله يدعوه ” يقول تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ*فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ)
فأمره الله أن يضرب الأرض بقدمه فأطاع أيوب فخرج منها ماء باردًا فأمره الله أن يغتسل به ويشرب منه فبرئ مما كان به ورد الله إليه عافيته .
وليس ذلك فحسب بل أصلح الله له زوجه جزاء برها معه وصبرها عليه فأعاد إليها شبابها وجمالها وأنجبت مثل أولادهم الذين فقدوهم ومثلهم معهم ( أى ضعف عددهم ) وكذلك آتاه الله المال والأنعام وأغناه مثلما كان قبل الابتلاء ومثل ذلك معه .
وأوحى الله لأيوب أن يستغفر لمن هجروه فعادوا معه جميعا.
كما أوحى الله إليه أن يجمع حزمة من الأعواد الخفيفة يكون بها مائة عود ليضرب بها زوجته ضربة واحدة خفيفة غير موجعة حتى يبر بقسمه . جزاء صبرها معه وبرها به ” هل جزاء الإحسان إلا الإحسان “
فى الحقيقة أن صبر أيوب لم يكن جزاء معصية منه فقد كان طائعا شاكرا حتى وهو فى أشد لحظات البلاء ؛ إنما كان اختبارًا وامتحانًا عظيما لِيُعَلِّمنا الصبرعند البلاء والاحتساب مع إخلاص الدعاء وحُسن التضرع إلى الله .
..العبرة من صبر أيوب ..
ومن هنا كان وما زال صبر أيوب هو أروع مثال يُضرب للصبر فنقول دائما ” ياصبر أيوب ” وخاصة عندما نرى أحد يصبر على ابتلائه .
خَلَّد الله عزوجل ذكر أيوب وصبره فى آيات عظيمة باقية فى القرآن الكريم فى سورتي (الأنبياء * ص)
ليبين لنا سبحانه أن الصبر على المكاره والابتلاء مع اليقين المطلق بالله عزوجل من أعظم أسباب النجاة .
كذلك الأخذ بالأسباب واللجوء والتضرع إلى الله بالدعاء مع حُسن التوكل وتمام الثقة بأنه سيستجيب .
يقول عزوجل فى الحديث القدسي ” أنا عند ظن عبدي بى ” . والظن هنا معناه اليقين فأيوب أيقن تمام اليقين أنه لا كاشف لكربه وهمه إلا الله فتضرع ودعا بيقين تام وكان من المشهور عن أيوب أنه إذا أراد الدعاء سجد ، يقول صلى الله عليه وسلم ” أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء ” ومن هنا يتأكد لنا أن السجود من مواطن الإجابة .
..فى الحقيقة أن ابتلاء أيوب و صبره يؤكد لنا دائما أنه لا شئ يحدث معنا إلا بإرادة الله وأنه إذا أراد هيأ لنا الأسباب كلها وساقها لتحقيق مراده فينا ؛ فيا أيها المريض لا تحزن فمن ابتلاك قادر على تيسير الأسباب والأشخاص لشفائك .
ويا أيها المكروب لا تجزع فمن ابتلاك قادر على كشف الضر
” أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ “
أسأل الله لكل مريض شفاء ، ولكل مهموم فرج ، كما أسأل الله لنا ولكم جميعا تمام العافية.

