يُعد القطاع الصحي من أسمى القطاعات الخدمية، حيث تتعامل الكوادر فيه مع أنفسٍ أتعبها المرض وأثقلتها الهموم. وإذا كان الطبيب يداوي الجراح بالمشرط والدواء، فإن فرد الأمن هو أول من يداوي القلوب بكلمة طيبة وتوجيه رحيم عند بوابة الدخول. لكننا، وللأسف، نشهد فجوة سلوكية كبيرة لدى بعض أفراد الأمن في المستشفيات الحكومية، تتمثل في غلظة التعامل وتعجرف الأسلوب مع المرضى وذويهم.
الواقع المؤلم: المريض بين مطرقة المرض وسندان “التعامل الفظ”
يدخل المواطن المستشفى الحكومي وهو في حالة من التوتر والقلق، وبدلاً من أن يجد يدًا ترشده أو لسانًا يطمئنه، يصطدم أحياناً بأسلوب “عسكري” جاف، ومنع تعسفي، وتجاهل للظروف الإنسانية. هذا السلوك لا يسيء لفرد الأمن وحده، بل يسيء للمنظومة الصحية كاملة، ويفرغ العمل الطبي من محتواه الإنساني.
المقترح: التحول من “الحراسة” إلى “خدمة العملاء الإنسانية”
إننا نناشد السادة مديري المستشفيات والمسؤولين بوزارة الصحة بضرورة تبني استراتيجية جديدة لتطوير أداء أمن المستشفيات، تتلخص في النقاط التالية:
دورات الدعم النفسي وفن التواصل: لا يكفي تدريب فرد الأمن على الضبط والربط، بل يجب إخضاعه لدورات إلزامية في “سيكولوجية المريض”، وكيفية امتصاص غضب المكلومين والمتألمين.
وضع ميثاق أخلاقي: صياغة لائحة سلوكية واضحة تمنع التجاوز اللفظي أو الجسدي تحت أي ظرف، وتعلي من قيمة “المواطن أولاً”.
تفعيل منظومة الرقابة والشكاوى: وضع صناديق شكاوى أو أرقام تواصل مباشرة للتبليغ عن سوء المعاملة، مع محاسبة المقصرين ومكافأة المنضبطين خلقياً.
تغيير المفهوم الوظيفي: يجب أن يدرك فرد الأمن أن وظيفته هي “تسهيل وصول الخدمة للمريض بأمان”، وليس دوره “منع” المريض أو ممارسة السلطة عليه.
كلمة أخيرة للمسؤولين
إن المريض الذي يقصد المستشفى الحكومي يبحث عن حقه في الرعاية، والكلمة الطيبة هي نصف العلاج. لنرتقِ بمستشفياتنا لتكون صروحاً للرحمة، تبدأ بابتسامة عند البوابة وتنتهي بسلامة المريض عند الخروج. رسالة إلى المسؤولين: المستشفى بيت للشفاء، والرحمة يجب أن تبدأ من البوابة. رصدنا تعاملاً سيئاً من أفراد الأمن يفتقر للتقدير لظروف المرضى الصعبة. نأمل منكم تدريب الطاقم الأمني على ضبط النفس وحسن الاستقبال.”
نتمنى أن تجد هذه الصرخة آذاناً صاغية وعقولاً واعية تبدأ بالتغيير الفوري.

