بين هواجس الغد وأثقال الأمس، يظلّ الاستقرار النفسي هو الغاية الكبرى التي ينشدها الإنسان؛ ذلك السلام الداخلي الذي يمنح الروح سكينةً، والعقل صفاءً، والقلب يقينًا بأن للحياة معنى يتجاوز صخب وضجيج الماديات والصراعات. فليس الاستقرار النفسي رفاهيةً يمكن الاستغناء عنها، ولا مطلبًا ثانويًا بين مطالب الإنسان، بل هو الركيزة الأولى التي تُبنى عليها صحة الجسد، واستقامة السلوك، وتوازن العلاقات، وازدهار المجتمعات.
فكما تعلم عزيزي القارئ إنّ النفس البشرية بطبيعتها معرّضة للاهتزاز والاضطراب، إذ تحمل بين جنباتها نزوعًا إلى الطمأنينة ونزوعًا آخر إلى القلق، فهي تتأرجح بين الرجاء والخوف، بين الأمل واليأس. ولقد جاءت الأديان السماوية، وجاءت الحكمة الإنسانية على مر العصور، لتؤكد أن الاستقرار النفسي لا يتحقق إلا بتوازن هذه القوى المتناقضة، وضبطها وفق ميزان العقل والإيمان والقيم. فلا غرابة أن نرى أعظم الفلاسفة والأطباء يربطون سلامة الإنسان بسلامة نفسه قبل بدنه، وأن تُقاس حضارة الأمم بمدى ما تمنحه لأفرادها من أمن داخلي، لا يقل أهمية عن الأمن الخارجي.
لذلك فإن أشكال الاضطراب النفسي كثيرة: من الخوف الذي يستبد بالعقل فيشلّ إرادته، إلى القلق الذي ينهش القلب فلا يترك له لذةً في راحةٍ أو يقينًا في قرار، إلى الحسد والحقد والغضب التي تفتك بالروح قبل أن تصيب الجسد. وفي المقابل، فإن الاستقرار النفسي يتجلّى في صورة نفس مطمئنة راضية، تعرف طريقها، وتدرك غايتها، فلا تهتز مع الريح ولا تتبع كل ناعق، بل تمضي في الحياة بخطى ثابتة، واثقة بأن ما قدّر الله لها هو الخير.
وقد يتساءل المرء: كيف السبيل إلى ذلك الاستقرار؟ الجواب يتفرع بين جوانب متعددة، تبدأ من الإنسان نفسه، ولا تنتهي عند المجتمع من حوله. فالإنسان المستقر نفسيًا هو من يعرف ذاته حق المعرفة؛ يواجه ضعفه بصدق، ويعترف باحتياجاته، ويعمل على تهذيب رغباته لا على إلغائها. إن معرفة النفس هي البوابة الأولى، إذ كيف يستقيم من يجهل نفسه، وكيف يطمئن من يعيش غريبًا عنها؟
ثم يأتي دور الإيمان العميق الذي يمنح القلب يقينًا بأن الوجود لم يُخلق عبثًا، وأن وراء تقلبات الحياة حكمةً خفية قد تغيب عن الأعين لكنها لا تغيب عن العدل الإلهي. هنا فقط يطمئن القلب فلا تجرفه الأحداث ولا تزعزعه الابتلاءات. ولعلّ هذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، ولا نغفل دور العلاقات الإنسانية في ترسيخ الاستقرار النفسي؛ فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، يستمد دعمه من أسرته، ودفئه من أصدقائه، وقيمته من انخراطه في مجتمعه. إن الوحدة القاسية والعزلة الممتدة هي أرض خصبة لاضطرابات النفس، بينما الحوار الصادق والمشاركة الوجدانية والروابط الأسرية القوية هي من أهم ركائز الطمأنينة، أما على صعيد المجتمع، فإن توفير بيئة عادلة، يسودها القانون وتحكمها القيم، يعزز الاستقرار النفسي لأفراده. فالمواطن الذي يثق في مؤسسات بلده، ويجد لنفسه مكانًا كريمًا في حضن وطنه، يعيش أهدأ وأقوى من ذاك الذي يلهث وراء لقمة العيش في ظل ظلم أو فوضى. إنّ غياب العدالة يولّد القلق الجماعي، والظلم الاجتماعي يزرع بذور الاضطراب في النفوس، بينما الاستقرار السياسي والاقتصادي يغدو مرآةً لسلام داخلي يتقاسمه الشعب بأسره.
ولكي يتحقق الاستقرار النفسي بصورة شاملة، لا بدّ من الجمع بين الجانب الروحي والجانب العلمي. فكما أن الصلاة والذكر والدعاء تفتح نوافذ القلب نحو السماء وتسكب فيه الطمأنينة، فإن الرياضة والنوم الكافي والتغذية السليمة تمثل غذاءً للجسد ينعكس بدوره على صفاء العقل. كذلك فإن طلب العلم وتنمية القدرات والاشتغال بما ينفع هي وسائل لإبعاد النفس عن الفراغ، الذي كثيرًا ما يكون مدخلًا إلى القلق والاضطراب.
إننا نتحدث في مقالنا اليوم عن قضية وجودية ترتبط بأمن الإنسان الفردي والجماعي. فالأمة التي يعاني أبناؤها القلق المستمر لا يمكن أن تنهض، والمجتمع المليء بالاضطرابات الداخلية لا يستطيع أن يبني حضارة متينة. إنّ الاستقرار النفسي هو أساس قوة الشعوب، وهو الشرط الضروري لإبداع الفكر، وتفجّر الطاقات، وصناعة الغد الأفضل، ولعلّ أجمل صورة للاستقرار النفسي هي تلك التي وصفها الشعراء والفلاسفة حين شبّهوا النفس المستقرة بالماء الصافي؛ قد تمرّ به العواصف، لكن صفاءه يبقى قائمًا، يهدأ بعد الاضطراب، ويظلّ مرآةً تعكس جمال الكون وبهاء الحياة.
ويبقى الاستقرار النفسي عزيزي القارئ هبةً يزرعها الله في قلب من صدق، وثمرة جهدٍ يجنيه من سعى إلى معرفة ذاته، وحفظ توازنه، وإحاطة نفسه بالحب والإيمان والعمل. وحين يتحقق هذا الاستقرار، يصبح الإنسان أكثر إنسانية، وأكثر قدرة على العطاء، وأكثر استعدادًا لمواجهة الدنيا بابتسامة واثقة، تشي بأن الطمأنينة هي أعظم انتصار يحققه المرء على نفسه وعلى زمانه.

