لم يكن الخوف لحظة عابرة،
كان حياة كاملة تُدار على الهامش.
كان يتدرّب على الجملة في رأسه عشرات المرات
قبل أن يقولها،
وغالبًا… لا يقولها.
في الأماكن العامة،
كان يشعر أن جسده يفضحه:
ارتجاف غير مبرر،
تعرّق مبالغ فيه،
صوت يختنق في منتصف الجملة،
ونبض يكاد يُسمع.
في طابور بسيط،
كان القلق يبدأ من فكرة:
“ماذا إن أخطأت؟”
ماذا إن سألني أحدهم؟
ماذا إن لاحظوا ارتباكي؟
كان يغيّر طريقه أحيانًا
ليتجنّب تحية شخص يعرفه،
ليس كرهًا،
بل لأن كلمة “مرحبًا”
كانت تتطلب منه شجاعة لا يملكها.
في المناسبات الاجتماعية،
كان يصل مبكرًا
ليجلس في زاوية قريبة من المخرج،
يحسب الوقت،
وينتظر اللحظة المناسبة للانسحاب
قبل أن يُسأل:
“لماذا أنت صامت؟”
أسوأ ما كان يواجهه
ليس الصمت،
بل الأسئلة.
“لماذا لا تتكلم؟”
“هل أنت متكبّر؟”
“هل هناك شيء يضايقك؟”
كل سؤال كان صفعة،
لأنه لا يملك إجابة
لا تُحرجه أكثر.
في العمل،
كان يتجنّب المصعد
حتى لا يضطر للحديث العابر.
يرسل رسائل طويلة
ليتفادى مكالمة قصيرة.
ويعتذر عن الاجتماعات
حتى لا يشرح فكرة
يخشى أن تُقاطع.
ضاعت منه فرص كثيرة،
ولم يكن أحد يعلم السبب الحقيقي.
حتى هو…
كان يلوم نفسه،
ويصفها بالضعف.
في مرة،
وقف أمام الموظف ليطلب خدمة بسيطة،
لكن الكلمات خانته.
تلعثم،
ارتبك،
وغادر المكان
دون أن ينجز شيئًا.
جلس بعدها في سيارته،
والخجل أثقل من الدموع.
لم يكن يبكي لأنه فشل،
بل لأنه شعر
أنه غير صالح للعالم.
في العلاقات،
كان الرهاب أشد قسوة.
يريد الاقتراب،
لكن الخوف من الرفض
يشلّه.
يفضّل الوحدة
على أن يُرى ضعيفًا.
كان يسمع كثيرًا:
“أنت طيب… لكنك منغلق.”
ولا أحد كان يعلم
أن الانغلاق
لم يكن خيارًا.
حين ينهار الداخل
الانهيار لم يكن صاخبًا.
كان هادئًا،
وبطيئًا،
ومنهكًا.
نوبات هلع في أماكن مزدحمة.
ضيق نفس بلا سبب واضح.
تفكير قهري في كل حركة وكلمة.
وإحساس دائم
بأنه مراقَب
حتى وهو وحده.
في لحظة صدق قاسية،
سأل نفسه:
هل سأعيش هكذا دائمًا؟
هل هذا أنا حقًا؟
أم نسخة خائفة مني؟
بداية النجاة
لم يبدأ التعافي بثقة،
بل باعتراف.
اعترف بأنه لا يحتمل أكثر،
وأن ما يمرّ به
ليس عيبًا،
بل اضطرابًا يمكن فهمه.
تعلّم أن الرهاب
لا يعني ضعفًا،
بل جهاز إنذار نفسي
يعمل بزيادة.
بدأ يواجه…
ليس بقفزات كبيرة،
بل بخطوات موجعة وصغيرة:
أن يبقى في الموقف
رغم الرغبة في الهرب.
أن يتحدث
حتى لو احمرّ وجهه.
أن يتحمّل الإحراج
دون أن يختفي.
كل مرة كانت معركة.
وبعضها كان يُخسر.
لكن التراجع لم يعد خيارًا.
بعد زمن
لم يصبح شخصًا آخر،
بل عاد إلى نفسه.
ما زال القلق يزور أحيانًا،
لكنه لم يعد صاحب القرار.
يتوتر،
لكن لا ينسحب.
يرتبك،
لكن لا يختفي.
أدرك أخيرًا
أن الشجاعة
ليست في غياب الخوف،
بل في البقاء رغم وجوده.
خاتمة
الرهاب الاجتماعي
قد يحرم الإنسان من صوته،
وفرصه،
وأحيانًا من ذاته.
لكن مواجهته
تعيد له حقًا أساسيًا:
أن يكون حاضرًا
دون أن يعتذر عن وجوده.

