في رحلة الحياة، يظن الإنسان أحيانًا أنه يعرف ما يصلحه أكثر من أي شيء آخر، فيرسم خططه، ويُعلِّق آماله على أمنيات محددة، ثم يحزن إذا لم تتحقق، أو يضيق صدره إذا تأخر وصولها. غير أن التجارب المتكررة تثبت أن رؤية الإنسان محدودة، وأن ما يراه خيرًا قد يحمل في طياته ضررًا لا يدركه، بينما قد تخفي الأقدار خلف أبواب الابتلاءات أعظم العطايا.
لقد اعتاد الإنسان بطبعه أن ينظر إلى اللحظة الراهنة، وأن يحكم على الأحداث من زاوية ما يشعر به الآن، فيفرح بما يوافق هواه، ويحزن لما يخالف رغبته. لكن الحياة كثيرًا ما تكشف أن الحكمة الإلهية أوسع من حسابات البشر، وأن ما يظنه المرء خسارة قد يكون بداية طريق جديد أكثر خيرًا ونفعًا.
وفي هذا المعنى العميق تتجلى حقيقة تستحق التأمل، وهي أن الإنسان لا يملك الإحاطة بالغيب، ولا يعلم ما تخبئه الأيام له، ولذلك كان التسليم لله والرضا بقضائه من أعظم أسباب الطمأنينة النفسية والاستقرار القلبي.
ويعبر عن هذه الحقيقة النص التالي:
“على الإنسان أن يعي حدود بصيرته، ويُدرك ضيق أمانيه وسرعة استعجاله، فكثيرا ما يدعو بما يظن أن فيه نفعه، ويكون فيه هلاكه لو تحقق. ويستبطئ أقدار الله، كأنما يرى ما وراء الغيب، ولو كُشف له ستر القدر، لتمنى ما هو فيه ورضي بحاضره.
قد تنزل بالمرء نوازل تفت في عضده، ومصائب تخلخل ثباته، فيجزع ويغضب، ويظن أن لا بعد هذه النهاية حياة. ثم تمضي الأيام، فإذا بالمحنة تثمر من النعم ما يملأ القلب سكينة، والنفس طمأنينة، من حيث لا كان يحتسب ولا يرتقب.
هنالك، يتعلم الإنسان ألا يحزن على ما فاته، وألا يستعجل ما لم يأذن الله ببلوغه، فيسلم ويرضى، ويصبر ويتأدب، ويتوكل ويشكر. يعقل قول الله تعالى: “فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ”، فيوقن أن كل ما يأتي من الله خير، وإن خفي وجه الخير فيه، “وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”.”
إن كثيرًا من قصص النجاح والنجاة بدأت من لحظة ظن أصحابها أنها نهاية الطريق. وظيفة لم تُقبل فيها فكانت سببًا في فرصة أفضل، أو خسارة مؤلمة قادت إلى نضج أكبر، أو تأخر أمنية كشف

