.
تمهيد:
إنّ المكان من أكثرِ العناصرِ أهمّيّةً في تشكيلِ جماليّةِ الكتابة الأدبيّة؛ لأنَّ مؤلّفَ النّصِ الأدبيّ يرتبط بهِ ارتباطًا وثيقًا منذُ ولادتِهِ الأولى، لذا نجدُ المكانَ حاضرًا في أدبِ الأدباءِ بشكلٍ لافتٍ بكلِّ صورهِ الجغرافيّة والفيزيائيّة والواقعيّة والرّوحيّة والخياليّة، فلا يمكنُ الانفصالُ عنهُ أو اعتبارُه خارجًا عن المتنِ الأدبيِّ العامِّ للنَّصِّ الأدبيّ الإبداعيّ بكافّةِ أنواعِهِ، كما أنَّ له دورًا رئيسيّا في تحديدِ اتّجاهِ الرّؤيةِ الأدبيّةِ للمؤلّفِ؛ إذْ على أرضهِ تشكّلتْ معالمُ الشّخصيّةِ الإنسانيّةِ، وارتسمتْ خطوطُ البداياتِ الأولى للتّجربةِ الأدبيّة.
وتكمنُ أهمّيّة المكان في اعتبارِهِ السّاحةَ الّتي تتوالى عليها الأحداثُ والمجرياتُ الّتي يمارسُها الشّخوصُ؛ فينتج عنْ تلكَ الممارسةِ صراعٌ نفسيّ يتقدّمُ بالأحداثِ نحو الأمام، ولا غرابةَ في أن نجدَ المكانَ بفضاءاتِهِ الممتدّةِ ذا عمقٍ ارتباطيٍّ بالنّصِّ الأدبيِّ، فلا حدودَ تحدّهُ ولا نقاطَ نهاياتٍ ينتهي عندَها فيضطرُّ الأديبُ إلى الاكتفاءِ بالبحثِ والوقوفِ، فما من نصٍّ أدبيٍّ إلّا ونجدُ فيهِ إشاراتٍ للمكانِ ومسمّياتٍ معلنة ومظاهرَ جماليّة مصوّرة بدقّةٍ متناهيةٍ، وللمكانِ وفقَ المفهومِ العامِّ دلالاتٌ متعدّدةٌ، منها ما هو طبيعيٌّ جغرافيٌّ أو ماديٌّ أو اجتماعيٌّ أو ثقافيٌّ، وهذا الثّراءُ الدّلاليُّ يعتمدُ على التّوظيفِ النّصِّي للمكانِ من قبلِ الكتّاب، فكلُّ كاتب له رؤاه الخاصّة في التّوظيفِ النّصّي للمكان وإضفاء الرّمزيّة عليه، وإلباسِهِ زيًّا من الرّمزيّةِ، وذلك انطلاقا من استيعابهم لتعدديّة المدلولات للدّال الواحد في ميدان الأدب الذّي يخترق هذا القانون، فيجعل للدّال إمكانيّة تعدّد مدلولاته، وهو ما عبّر عنه الأسلوبيّون بمصطلح “الاتّساع”.
وتتطلّبُ إعادةُ إنتاجِ المكانِ الأدبيّ من الكاتب أنْ يكونَ مُدْرِكًا للحدودِ الواقعيّة قبلَ الانتقالِ لرسمِ هذه الحدودِ خياليًّا، وهذه الصّناعةُ الفنّيّةُ للمكانِ تعتمدُ على قدرةِ إنتاجِ الدّلالاتِ الجديدةِ للمكانِ، بالاتّكاءِ على التّصويرِ الفنّيِّ والرّسمِ البلاغيّ، وهنا تبرزُ الملامح الجديدة التّي أضافَها المبدع، وهيَّأَها لإبرازِ صورة المكانِ بحلّتِهِ الجديدة؛ لتتغيّرَ دلالةُ المكانِ من مجرّدِ أنّهُ يعني بدء تدوين التّاريخ الإنسانيّ، والارتباط الجذريّ بفعل الكينونة لأداء الطّقوس اليوميّة للعيش، وللوجود، ولفهم الحقائق الصّغيرة لبناء الرّوح، وللتّراكيب المعقّدة والخفيّة لصياغة المشروع الإنسانيّ ضمن الأفعال المُبهمة إلى دلالاتٍ أكثرَ رحابةً تنفتحُ على أفقٍ واسعٍ يحتاجُ إلى وقوفٍ، واستعادة للمعاني والمضامينِ الدّلاليّة.
ويُعدُّ المكانُ الأوّل الّذي يشهدُ فيه الكاتب بداياتِ طفولتِه الأولى الأكثرَ حضورًا في قاموسِهِ الإبداعيّ مهما كان هذا الإبداع(سيرة ذاتية، رواية، يوميّات،مذكّرات…..)؛ وذلكَ أنّهُ أحدُ أبرزِ المكوّناتِ اللاّشعوريّةِ الثّاويةِ في عقلِه ، بوصفِهِ المكان الأثير لدى النّفسِ، ومن هنا نلمحُ التّفاعلَ معَ بنيةِ هذا المكانَ أكثر انفعالًا واستدعاءً من الأمكنةِ الأخرى في المنجزِ الأدبيّ للكاتب. وقدْ ساعدَتْ علاقةُ المبدع بالمكانِ على أنسنتِهِ والإحساسِ بهِ، وبناءِ حالةٍ من الارتباطِ العاطفيّ معهُ، واللّجوء له كملاذٍ في أوقاتِ الخوفِ والقلقِ والاضطرابِ، والتّواؤم معه ومناجاتِه بلغةٍ حواريّةٍ أقربَ ما تكونُ لمناجاةِ العاشقِ لمعشوقته، بالإضافةِ إلى الانفتاحِ عليهِ ورفضِ بقائهِ منغلقًا على العالمِ من حولِه؛ إنّه حامل لدلالةٍ نفسيّةٍ شعوريّةٍ أو قد يكونُ مركزَ ثقلِها.وَممّا لا شكَّ فيهِ أنَّ لكلِّ إنسانٍ مكانًا خاصًّا يمنحُه الإحساسَ بالانتماءِ والوجودِ ويوقظُ شعورَ الحنينِ في نفسِهِ كلّما داخلهُ شعورٌ بالاغترابِ والمفارقةِ، فالمكان هو المرجع الذّي يوفر الانطباعات الأوليّة، حول ما دعاه “تزفيتان تودوروف” المتن أو النّظام في المتن الحكائيّ الذّي يكتنز مضمونات مأخوذة من الواقع وتقف وظيفة هذا المكان عند حدود توفير المرجعيّة التّي تلتقي عندها فاعليّتا “الإبلاغ والتّلقي”. فأفعال الفهم التّي يمارسها المتلقّي تقوم علي إيجاد وشائح متشابهة بين النّص ومرجعه أوّلا ، ثم إيجاد ملامح الاختلاف التّي ستحوّل النّص من مجرّد انطباعات عن الواقع إلى خطاب له من الواقع ملامحه الرّئيسيّة . فرؤية المكان وتأمّله والبحث عن العلاقات الخفيّة بين الأشياء من مهام الكاتب ، ثم تأتي القدرات التّي تميّز بين كاتب وكاتب . فهناك من يمسك بشعلة الفنّ الكاشفة فيُلقي الضّوء على ما لا تراه العين العادية ، فتبدو الأشياء البسيطة كأنّها كنوز تفيض بدلالات موحية .
ويحوّل الكاتب في كتابته المكان الجغرافيّ إلى مكان إبداعيّ له قيمُه الجماليّة والفكريّة وفق منظور ما، وبذلك يدخل المكان حدود الافتراض والتّخييل ، متنقّلا من طبوغرافيّة واقعية الي إلى طبوغرافيّة تخييليّة لها خصوصيّاتها ومميّزاتها .فيغدو المكان حيّا ديناميّا وذلك بفضل استحضار الشّرط التّاريخيّ والثّقافيّ لامتداداته .
وفي هذا الإطار يحدّد الأستاذ “عبد الغني فوزي إبراهيم” المكان بعدّة نقاط:
أوّلا: المكان في اللّغة : بمعني الأدب في مادته الأولي لغة تطرح أمامنا مجموعة من الوسائط كي تعبُر للآخر . وتتمثّل هذه الوسائط في الخطّ والصّفحة والكتاب والصّور المرافقة ، وكلّها تستمدّ دلالتها الهندسيّة من المكان الأصل ، غير أنّ تلك العناصر في الأدب تشحن بالطّاقة الفنيّة التّي تطأ كلّ جوانب المادة الإبداعيّة ، وتتحوّل – بذلك – تلك العناصر إلى أدوات يتصرّف فيها المبدع تصرّفا سيميائيّا يذكر فيها الأماكن بأسمائها وأصنافها عبر نعوت ملحقة بالمكان مرتبطة بتنوّع الحقول المعرفيّة التّي يوظّف فيها ، بحيث يصبح المكان من المفاهيم البارزة في الأدب.فالمكان بهذا التّحديد ليس إطارا مستقلّا ، بل هو “متداخل مع الإنسان”. فيغدو تقديم المكان وتصوير عناصره وحيثيّاته وتفاصيله ، بمثابة تقديم للإنسان المنغرس فيه جسدا وقيما.
وطالما أنّ الأمكنة متعدّدة ومتنوّعة ، تبعا لزوايا النّظر فإنّها تشكّل مدخلا للتّعرف إلى أنماط مختلفة من النّماذج والتّجارب البشريّة , وقد يقودنا ذلك التّبادل بين الصّورة الذّهنية والمكانيّة إلى ذلك التّداخل والتّشابك بين الإنسان والمكان الذّي يصعب معه فكّ أحدهما عن الآخر . فيكون بذلك المكان امتدادا طبيعيّا للشّخصية الكاتبة ، كما أنّ نشاط الشّخصية المبدعة وتحوّلاتها لا يتمّ إلاّ بالمكان ، وليس في المكان فقط . فحين يقتحم المكان النّص الأدبيّ ، يطرح المكان تنظيما وصياغة للعالم ويكون أساس هذا التّنظيم بنية مكانيّة غير متناهية ، الشّيء الذّي يستدعي تحويل ذلك الموضوع غير المتناهي إلى أنساق ، وقد تكون الصّفة البصريّة من الخصائص الأصليّة لهذه الأنساق يتواشج فيها المكان بالثّقافة للدّلالة علي أشياء أخرى كالهويّة والانتماء والنّضال وفق نمذجات أخلاقيّة واجتماعيّة وإيديولوجيّة ينشدّ إليها الكاتب في زمن له دلالاته…
ومن هذا المنطلق يحقّق المكان ذاك التّوازي بين الذّات والعالم بمعنى المكان والرّؤيا للعالم يقول الأستاذ “عبد الغني فوزي إبراهيم” “إنّ الذّات تحمل حالات من العمق موازية تماما لاتّساع المكان ، فإذا كان العالم كبيرا ومتّسعا ، فالدّاخل يعكس ذلك عبر طبقات من الإحساس ، وهكذا، فالتّعامل مع أصناف الأمكنة يُولّد قيما رمزيّة مرتبطة بمناظر تلك الأمكنة .
وهو ما يفرز تقاطبات وتعارضات ليست فقط على مستوي مظاهر الشّخصيات القاطنة في تلك الأمكنة”.ولا يتعارض هذا القول مع ما ذهب إليه “غاستون باشلار” في حديثه عن جماليّة المكان عن ذاك” الجدل بين الدّاخل والخارج . وهو ما يولّد جدليّات عدّة ذات رمزيّة متعدّدة المناحي.
ويحيل تحديد المكان بكلّ تفاصيله ودلالاته عن هويّة الإنسان المتأتّية من تلك الجذور الثّقافية التّي ينتمي إليها المكان، وحدها هذه الجذور هي التّي تنقله من بقعة جغرافيّة إلى” مستوى الدّلالات الرّمزيّة والفكريّة” ، وبالتّالي فالتّحاور بين الإنسان والمكان ، ينبني على أساس من التّاريخ والثّقافة والمجتمع ، فمن منطلق “السّيميوطيقا” (علم العلامات) فعندما نذكر أشياء من المكان فهي بمثابة علامات دالّة عليه وعلى مكوّناته، فلا يحتاج المبدع إلى ذكر تعريف تفصيليّ لمكان كان مشهورا، وإنّما يكتفي باسمه، وبعض معالمه في سياق نصّه، وتكون هذه المعالم إحالات تعطي “أبعادا معرفيّة وتأويليّة ونفسيّة للقارئ”. فتتمّ دراسة الإشارات المكانيّة ضمن منظومة علاماتيّة كاملة، وفي ضوء معطيات النّص الجماليّة والرّؤياويّة. فكلّ نصّ له علاماته المكانية، التّي تكون وسيطاً بين المبدع والقارئ، وتبدأ هذه العلامة بعتبة موحية، ثمّ تتحوّل في متن النّص إلى علامات وإشارات تفصّلها. وكلّما ارتبطت الأحداث بهذه العلامة المكانيّة، ازدادت إيحاءاتها كلّما ذُكِرَت في النّص، وتتفرّع عنها – في ثنايا النّص – علامات فرعيّة، تشكّل في مجملها شفرات مكانيّة، تساهم في إنتاج دلاليّة بشكل إضافيّ، فالشّفرات السّيموطيقيّة(Codes) شفرات تصبح العلامات فيها تصويريّا مفهومة، أي أنّها “أدوات تفسيريّة تستخدمها الجماعات أو التّجمعات التّأويليّة في ظلّ نظام من الممارسات التّفسيرية الضّمنيّة أو المضمرة، تتّصف نسبيّا بالانفتاح والاتّساع، وينشط غالباً على مستوى اللاّشعور، وذلك في مقابل الشّفرات الأكثر وضوحاً وتحديداً من النّاحية الشّكلية”، وهذا يحفّز القارئ إلى إعادة التّعاطي مع المكان بوصفه عالماً يتجاوز الماديّ إلى اللاّمادي، وتتفاعل في أعماقه العلامات التّي يوردها السّارد عن المكان، فيعيد حينها تلقّي النّص بشكل مختلف، ولاشكّ أنّ قراءة علامات المكان ستساهم في فهم النّص بشكل مختلف، وتعطي المزيد من الدّلالات والتّأويلات.
من هنا يتسنّى لنا القول بأنّ التّصوير اللّغوي إيحاء لا نهائيّ يتجاوز الصّور المرئيّة لكونها صورا فنيّة تمتاز بأنّها ثمرة انتقاء وتهذيب للمادة المحسوسة, المستمدّة من الطّبيعة أو من الحياة الإنسانيـّة، وغاية هذا الانتقاء هو إثارة الانفعـال الجماليّ .
فوظيفة الكلمات في المحيط الخارجيّ لا تعدو أن تكون مجرّد إشارات لأماكن وأشياء بعينها، بيْد أنّ وجودها داخل سياق النّص الإبداعيّ يعطيها بعدا دلاليّا أعمق، فهي- بذلك- تنتقل من معناها الدّلاليّ المباشر إلى مستوى أعلى في الدّلالة خاصّة إذا تعالق المكان بالألوان.فالتّركيز على لون بعينه له ثقله في الدّلالة، استنادا إلى أنّ هناك ألوانا أساسيّة وأخرى ثانوية. فعمليّة الوصف باستخدام الألوان عمليّة لها دلالة رمزيّة، ولمّا كانت الألوان ترتبط “ارتباطا وثيقا بعمليّات التّفكير والانفعالات ” فإنّنا نجد أنّ إضفاء اللّون الأحمر قد يحيلنا على النّضال والمقاومة من أجل الحياة والخلود بما.فهو يرتبط في ذاكرة المتلقّي بين إراقة الدّماء و الحريّة قيمة مقدّسة. فتغدو الحريّة – من هذا المنطلق- “قيمة سيكولوجيّة واجتماعيّة لا يمكن إنكارها “فاحتواء المكان الواحد لمفردات مختلفة يشكّل تفاصيله وجزئيّاته ولون مهيمن بذاته، يرسم لوحة غاية في التّركيب قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، بيْـد أن تواجدها في السّياق النّصي “يحوّلها إلى رموز يصبح معها كلّ شيء موظّفا ، وحتّى ما “يبدو هامشيّا ، يؤدّي وظيفته في إطار هامشيّته”.وهو ما يسهم في إعادة” تشكيل الرّؤية السّرديّة وتأسيس جماليّات جديدة”
وقد يتّخذ المكان دلالته التّاريخيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة من خلال الأفعال وتشابك العلاقات، فإنّه كذلك يتّخذ قيمته الكبرى من خلال علاقته بالشّخصيات .وتبدو أعلى درجات هذه القيمة حين يكون المكان جزءً من بناء الشّخصية لأنّ “الذّات البشريّة لا تكتمل داخل حدود ذاتها، ولكنّها تنبسط خارج هذه الحدود لتصبغ كلّ ما حولها بصبغتها، وتسقط على المكان قيمها الحضاريّة”ومع التّسليم بوجود علاقة تأثير وتأثّر بين المكان والشّخصية، فإنّنا لا نجد غرابة في أن يكون المكان “قطعة شعوريّة وحسيّة من ذات الشّخصية نفسها” . من ثمّ نجد الكاتب حين يشيّد معالم المكان يعمد إلى جعل هذا المكان منسجما مع طبائع شخصيّاته ومزاجها، بحيث يبدو كما لو كان خزّانا حقيقيّا للحالة الشّعوريّة والذّهنية للشّخصيّات, وإلى جعل المكان ذاته يكشف عن الحالات اللاّشعوريّة للشّخصيات ويصوّر
أفعالها، فيساهم – بذلك – في التّحولات الدّاخليّة التّي تطرأ عليها في مسارها السّرديّ.
وقد يقوم المكان بـدور الشّخصيـة ذاتها، وذلك “باعتباره تصويرا لغويّا يشكّل معادلا حسيّا ومعنويّا للمجال الشّعوري والذّهنـي للشّخصية”، كما يمكن أن يمثّل المكان رمزا من رموز الانتماء بالنّسبة للشّخصية لاسيما إذا كان هذا المكان أليفا في علاقته بها.
وهو ما نتبيّنه في:
1/ الرّؤية (أو زاوية النّظر أو المنظور) التّي يتّخذها الرّاوي أو الشّخصيات عند مباشرتهم للمكان لأنّ الرّؤية هي التّي تقود نحو “معرفة المكان من حيث هو صورة تنعكس في ذهن الرّاوي، ويدركها وعيه قبل أن يعرضها علينا في خطابه”
2/ فهمنا للّغة الموظّفة لتشخيص أو وصف المكان “فكلّ لغة لها صفات خاصّة في تحديد المكان أو رسم طوبوغرافيّته بها يحقّق المكان دلالته الخاصّة وتماسكه”
3/ المتلقّي أو القارئ للمكان . فهو يتلقّى جماليّاته المنبثقة عبر النّص السّردي والتّي لها أثرها في التّلقي ،كما أنّه يساهم في “إنتاج هذه الجماليّات”التّي تُعدّ درجة من الجودة تُقرّ للكاتب بقدرته على اختزان أمكنة مغايرة لما يعهده المتلقّي أو تقديم المكان الذّي “يعيشه المتلقّي في صورة فنيّة مختلفة”
خاتمة:
ليس المكان مجرّد عالم ماديّ يحيط بنا، إنّه يؤطّرنا، ويستوعب ذواتنا وأفكارنا، ويحتضن علامات ثقافتنا، وتظلّ معالمه مغروسة في لاوعينا، وعندما تُذكر أمامنا، أو تطفو على سطح ذاكرتنا، تأتي ومعها كلّ إيحاءاتها، ونتوءاتها، وأيضا قيمها.
وانطلاقًا من هذا يكون بإمكاننا أن نخلص إلى أنّ “المكان ظاهرة لا حدّ لها، فهو بنيــة دالّة في عالم الخارج، وعندما يدخل النصّ الســرديّ يغدو “علامة ســيميولوجية، ولوناً إيقاعيّا متناغماً مع سائر الألوان الإيقاعيّة” كالشّخصيّات والأحداث والزّمان والتّبئير..
ينضاف إلى هذا أنّ المكان حمّال رُؤى وقضايا ووظائف .فهو خادِمٌ للدّراما ورافدٌ مِن روافدِها المهِمّة، إنّه في السّرد “خديمٌ للدّراما”، فبمجرّد الإشارة إليه يعني أنّه قد جرى فيه أمرٌ ما، ومجرّد ذكرِه يجعلُنا ننتظِرُ حدوثَ واقعةٍ من الوقائع، فلا وجود لمكان لا يكون شرِيكًا في الحَدَث.
القصر الأحمر:
“الهيكل الأصغر لدلالة أكبر”
هو مؤلّف يحمل عنوان” القصر الأحمر”
المؤلّفة”ياسمين خدومة”
عدد الصّفحات:350 صفحة.
طبعة أولى:2025.
صادر عن دار ورقة للنّشر.
النّوع:جنّسته الكاتبة تحت عنوان”دراسة”.
وقد قام هيكليّا على:
ص3 احتوت على :اسم الكاتبة/اسم الدّراسة”القصر الأحمر”/عنوان فرعيّ”ذاكرة مكان”/دار النّشر “ورقة للنّشر”
ص4 فيها إهداء أوّل إلى “دادا” “كلّ ما في هذا الكتاب امتداد لعطرك”
إهداء ثانٍ إلى”كمال غريب” “رفيق الحكايات،وراوي التّفاصيل التّي لا تُنسى”
ص5 كلمة المؤلّفة هيْمنت عليها كلمات مفاتيح ثلاث:السّرد/ الذّاكرة/ الزّمن.
ص7 طرح إشكاليّ:الكتابة عن القصر سؤال الهُويّة والإنسان
ص8 تعريف القصر”بأرض الحكايات” “حين تلامس أقدامك أرض هذا القصر فهي لا تطأ ترابا فحسب، بل تنفذ إلى عمق حكاية تُروي منذ زمن بعيد”
من ص13إلى ص15 فصل أوّل”همس الجدران”
من ص16إلى ص21 فصل ثانٍ “بين القطار ووادي بياش”
من ص22إلى ص23 فصل ثالث “المدينة في مرآتي”
من ص24إلى ص350 فصل رابع “صمت القطار وهمسات الوادي”
وفي تلافيف هذا الفصل وردت عناوين فرعيّة عددها 33 عنوانا منها:”امكانيات جديدة للحياة” من ص 26 إلى ص29.”باب السّور والرّوشن قلب القصر النّابض”من ص31 إلى ص47.”حكاية الضّوء الغريب”من ص 64 إلى ص65.
هناك اختلال توازن بين الفصول تبعه كذلك اختلال في الحكايا الفرعيّة التّي بدت لا نظام يحكمها ولا خيط ينظمها إلا العتبة الكبرى”القصر الأحمر”.وقد قُسّم الفصل الرّابع إلى قسميْن:قسم أوّل به 33 عنوانا وامتدّ من ص24 إلى ص235 :”مدرسة الزّمن الجميل”ص55/”صوت في الظّلام” ص115/”طقوس الضّيافة في الفوّارة”ص87….
وقسم ثانٍ انزاح إلى ذكر شخصيّات تاريخيّة وعددها 14 شخصيّة وامتدّ من ص236إلى ص350،بدأ بسيرة”عمّار الماجوري:صوت ينادي الحريّة”من ص236 إلى ص 238 وانتهى بسيرة”علي بن عبد الله القصريّ:صوت المقاومة في زمن الجور” من ص 333 إلى 350.
وهي سير غاب عنها التّوازن الكميّ والكيفيّ والتّعريف بأصحابها تاريخيّا ووضع صورهم ليتعرّف عليها المتلقّي وهي من شروط الدّراسة.ولم تلتزم الكاتبة بالفصل بين العناوين الفرعيّة واستعراض الشّخصيّات التّاريخيّة(وقد وقع تغييب بعضها رغم أثرها في حياة القصر ولسنا ندري إن كان تغييبا عن تعمّد أو عن سهو) بل هناك خلط بينهما.وهو ما يعمل على إرباك المتلقّي وعدم قدرته على تبيّن الحدود بين الواقعيّ والتّخييليّ/ الجغرافيّ والتّاريخيّ/الذّاتي والموضوعيّ/الذّاتي والغيريّ..
*قراءة في العتبة:سيمائيّة اللّون واستراتجيّة الدّلالة في القصر الأحمر
لقد امتلكت العتبات النّصيّة الموازية مثل: العنوان، والغلاف، والإهداء، والمقتبسات، والتّنبيهات، وكلمات الشّكر والتّصدير، والجمل المفتاحيّة، والهوامش والتّذييلات والجمل الخواتيم. والخاتمة نفسها وغيرها ، أهميّة في مجال تحليل المؤلّفات الأدبيّة إذْ لا يقتصر دورها – بوصفها رسائل لغويّة – على تأطير النّصوص من الخارج بل؛ أصبحت تنفذ إلى داخلها؛ لإنارة زواياها ومساعدة المتلقّي – عبر وظائفها الدّلالية – في فهم هذه النّصوص، وتفسيرها، وتأويلها وفكّ شفراتها، وهذا ما قامت به العتبات النصيِّة في الكتابات الحديثة. والعنوان هوّ أوّل ما يواجه المتلقّي من العتبات التّي تحمل له مزيداً من الثّقافة العنوانيّة، والتّي تفتح له بعض الآفاق الخاصّة بالعمل الإبداعيّ ، فكلّ عنوان هو مرسلةٌ صادرةٌ من مُرسِلٍ إلى مُرْسَلٍ إليه،ومن هنا، فقد أصبح للعنوان أهميّة تضاف إلى أهميّته الأولى وذلك في علاقته بالبنية السَّردية وفق انزياح عن الدّلالات الثّابتة التّي اقترحها “جيرار جينيت” في كتابه
“عتبات”.
ويرى “علي جعفر العلاق” أنّ العنوان” الذّي يتقدّم النّص ويفتتح مسيرة نموّه ليس مجرّد اسم يدلّ على العمل الأدبيّ ويحدّد هويّته، ويكرّس انتماءه لأب ما. لقد صار أبعد من ذلك بكثير. فعلاقته بالنّص بالغة التّعقيد. إنّه مدخل إلى عمارة النّص، وإضاءة بارعة وغامضة لممرّاته المتشابكة(…) لقد أخذ العنوان يتمرّد على إهماله فترات طويلة، وينهض ثانية من رماده الذّي حجبه عن فاعليّته” ووظائفه المرجعيّة واللّغويّة والتّأثيرية والأيقونيّة. ويبقى “ليو هويك” (Leok HoeK )المؤسّس الفعليّ ( لعلم العنوان) (TITROLOGIE) ؛ لأنّه قام بدراسة العنونة من منظور مفتوح يستند إلى العمق المنهجيّ والاطّلاع الكبير على اللّسانيات ونتائج السّيميوطيقا وتاريخ الكتاب والكتابة. فقد رصد العنونة رصدا سيميوطيقيّا من خلال التّركيز على بُناها ودلالاتها ووظائفها.
*وظائف العنوان:
إنّ العنوان عبارة عن علامة لسانيّة وسيميولوجيّة غالبا ما تكون في بداية النّص، لها وظيفة تعيينيّة ومدلوليّة، ووظيفة تأشيريّة أثناء تلقّي النّص والتّلذّذ به تقبّلا وتفاعلا، ويمكن لنا حصر هذه الوظائف في:
وظيفة التّسمية، وظيفة التّعيين، وظيفة التّجنيس، الوظيفة الإيديولوجيّة، الوظيفة الأيقونيّة البصريّة، الوظيفة الموضوعاتيّة، الوظيفة التّأثيرية ، الوظيفة الإيحائيّة، وظيفة الاتّساق والانسجام، الوظيفة التّأويليّة، الوظيفة الدّلالية أو المدلوليّة، الوظيفة اللّسانيّة والسّيميائية…وكلّ هذه الوظائف وغيرها تجعل من العنوان مرآة مصغّرة لكلّ ذلك النّسيج النّصي “، وهذا يعني أنّه علامة ضمن علامات أوسع هي التّي تشكّل قوام العمل الفنيّ باعتباره نظاما ونسقا يقتضي أن يُعالج معالجة منهجيّة أساسها أنّ دلالة أيّة علامة مرتبطة ارتباطا بنائيّا لا تراكميّا بدلالات أخرى. ومن ثمّ فإنّ العنوان قد يجسّد المدخل النّظري إلى العالم الذّي يسمّيه، ولكنّه لا يخلقه، إذْ قد تكون العلاقة بين الطّرفيْن غير مباشرة ، ومن هنا يتحوّل العنوان من كونه علامة لسانيّة أو مجموعة علامات لسانيّة تشير إلى المحتوى العام للنّص، ليصبح “لعبة فنيّة وحواريّة بين المرجعيّة المحدّدة وبين الدّلالات المتعدّدة ، 9وذلك في حركة دائبة بين نصيْن متفاعليْن في زمن القراءة” وفق نمذجة تصنيفيّة(Typologie) “تحوّل المعلومة والعلامة إلى قيمة والخبر إلى إيحاء”.
وانطلاقا ممّا سبق يمكن لنا اعتباره صورة كليّة تحدّد هويّة الإبداع وتيمته العامّة، وتجمع شذراته في بنية مقولاتيّة تعتمد الاستعارة أوالتّرميز. وهذه الصّورة العنوانيّة قد تكون فضائيّة يتقاطع فيها المرجع مع المجاز، فـــ”القصر الأحمر ” قد يعني معمارا له خصوصيّاته تاريخيّا وجغرافيّا. لكن امتداد ظلّه كمكان وقيامه بدور المركز في الحركة السّرديّة وتحديد مصائر من يسكنه جعله يقوم بدور البطولة الفعليّة ويفرض نفسه على عنوانها ويبلور رؤية المؤلّفة لعالمها.
وقد حاولت المؤلّفة”ياسمين خدومة” جمع الصّور المشتّتة وتجميعها من جديد في بؤرة لموضوعات عامّة تصف عملها الأدبيّ، وتسمه بالتّواتر والتّكرار والتّوارد. إذاً، فعنوان “القصر الأحمر”هو الكليّة الدّلالية أو الصّورة الأساسيّة أو الصّورة المتكاملة التّي يستحضرها المتلقّي أثناء التّفاعل مع جماليّة السّرد الحكائيّ ومسافاته الاستيتيقيّة. فالصّورة العنوانيّة قد تندرج ضمن علاقات بلاغيّة قائمة على المشابهة أو المجاورة أو الرّؤيا، فيتجاور العنوان مجازيّا مع دلالات المكان النّصي للغلاف وتنصهر الصّورة العنوانيّة اللّغوية (مركّب نعتي)في الصّورة المكانيّة “لونا ورمزا”.
إنّ فهم الصّورة العنوانيّة وتفسيرها وتذوّق جمالها وصيغ أساليبها مرتبط بمعانيها ضمن ما يعبّر عنه ب” خطاطة المجموع”، أيْ السّياق الكليّ للكتابة ضمن مكوّنات صورة رمزيّة معقّدة، يتماهى فيها البعد المرجعيّ مع البعد الإيحائيّ. فتختلط خيوط التّسمية العنوانيّة، وتتلاشى أضواء الحقيقة لتعوّضها دلالات التّضمين الرّمزي في ثوب من الأدب مخصوص.
ويكتب العنوان عادة بأحرف بارزة كبيرة دلالة على أهميّته وبعده الأيقونيّ ومركزيّته في تبئير دلالات الكتابة مهما كان تجنيسها،ليشكّل بيانا إيضاحيّا لملامح العمل الإبداعيّ الجماليّة والفنيّة، وذلك من خلال عناوين الفصول التّي تلخّص مضامينه وتكثّف رمزيّة الأحداث والوقائع، وتسجّل أسماء شخصيّاته والأدوار التّي قامت بها .فهي أدوار قابلة للتّحليل والفهم والتّفسير والتّقويم لتلك المشاهد والمتتاليات والوحدات الوظيفيّة .وكلّها عناصر ذات مواقع استراتيجيّة تشتغل بوصفها دليلا (signe) يؤسّس جملة من العلاقات المرجعيّة والكنائيّة التّي تخضع – حتما-
إلى مقاربة منهجيّة مبنية على أربع خطوات أساسيّة نجملها في:
1- البنية
2- الدّلالة
3- الوظيفة
4- القراءة السّياقية: الدّاخليّة والخارجيّة.
وقد حدّد لها “جيرار جينيت”
أربع وظائف أساسيّة وهي: الإغراء /الإيحاء /الوصف والتّعيين. وكلّها تسعى إلى تشخيص الذّات والواقع والمرجع التّاريخيّ والرّمزيّ عبر:
– الاختصار والوضوح.
– دقّة العنوان ونفاذه.
– ارتباط العنوان بالنّص مباشرة.
– الاشتمال لمكوّنات العمل ودلالاته ومقاصده.
– تكثيف المعنى في كلمات معدودة.
– تذييل العنوان الأساسيّ بالعناوين الفرعيّة
– الاستفادة من تقنيات الـﮔرافيك واللّون والخطّ والحيز المكانيّ.
إنّها عناصر تجاوزت المكوّنات اللّغوية والبنية الحرفيّة التّقريريّة المباشرة، إلى بناء الصّورة البصريّة التّي تنفي كلّ ما هو بلاغيّ في محاولة التقاط جوهر الشّيء، وليس الشّيء في ذاته، إنّها صورة سريالية تميل نحو ما هو استعاريّ وتؤدّي وظائف متعدّدة ومتراكبة في آن تسعى في مجملها إلى:
1/ التّجنيس:
يحدّد العنوان جنس الإبداع وهوّيته.
2/ التّشكيل:يستمدّ العنوان
وجوده من فنّ الرّسم وعناصره ومدارسه والتّبئير الأيقونيّ والتّنويع في الألوان والفضاءات الهندسيّة.
3/ الإشهار:
ينحصر ضمن حيثيات النّشر وسوسيولوجيّة التّسويق.
وإذا تأمّلنا العتبة التّي تخيّرتها”ياسمين خدومة” “القصر الأحمر” نلمس أنّها وردت إجمالا تفصيلها متن حكائيّ له عناوينه و أطواره ضمن استراتجيّة لها حيثيّاتها وخصوصيّاتها الزّمنيّة والمكانيّة ومجالات تبئيرها أحداثا وشخوصا. وكلّ هذه المكوّنات انضوت تحت تجنيس “دراسة”، هي منعوت غاب عنه النّعت، فلسنا ندري ما صنف هذه الدّراسة؟ أهي تاريخيّة؟أم سوسيولوجيّة؟أهي واقعيّة؟أم تخييليّة؟ تجنيس اكتنفته ضبابيّة منهجيّة.
وتتضاعف هذه الضّبابيّة حين تجعل “القصر الأحمر” “ذاكرة مكان” وحضور الذّاكرة في المكان يقودنا إلى جنس أدبيّ بعينه ارتكز على الذّاكرة وهو جنس السّيرة الذّاتيّة.وقد رأى “فيليب لوجون” أنّ الذّاكرة”هي مرتكز السّيرة الذاتيّة” تعاضدها عناصر أخرى مثل مستويات السّرد، الزّمن، التّبئير…
وحين نغوص في تلافيف المتن الحكائيّ يتبيّن لنا أنّ ما كتبته”ياسمين خدومة” سيرا متداخلة:سيرة مكان،سيرة إنسان، سيرة ذاتيّة ،ثالوث دلّلت عليه مؤشّرات لغويّةكـــــ:
1/سيرة المكان:”عندما تحاول الكتابة عن القصر…في القصر لا توجد جغرافيا ثابتة للألم والفرح…في هذا المكان،هو ثرثرة الشّوارع لا تنتهي…(ص7)
2/سيرة الإنسان:”حين يمضي الزّمن،تبقى الحكايات شاهدة على أولئك الذّين صنعوا تفاصيل الأمكنة…هو صوت لأولئك الذّين تركوا أثرا في القصر..هو شهادة على معارك خاضها الإنسان ضدّ التّهميش والخذلان”(ص5).
3/سيرة الكاتبة”وهذا الكتاب لم يخل من التّداعي الحرّ وكرم الذّاكرة ونبضات القلب وحدوس العقل سار بفؤادي في غفلة منّي ووجّه عقلي”(ص6).
وكلّها سير “ترقص على إيقاع الزّمن الذّي يعيد نفسه”
(ص8).في شكل سرديّ “كان رحلة في ثنايا الحكاية”
(ص5)”حكاية تروى منذ زمن بعيد”(ص9)”هنا تبدأ الحكاية”(ص12).إنّها حكايات تناسلت من رحم واحد ،من مكان واحد، هو “القصر الأحمر” “هنا لا تشعر أنّك غريب،الرّيح ،الأرض،النّاس،
كلّهم يعرفونك،كأنّك جزء من الحكاية التّي لا تنتهي.القصر روح تسكنك تترك فيك روحا لا تُمحى”(ص12).وقد ارتبط القصر(منعوت) باللّون الأحمر(نعت)وهو واحد من أبرز الألوان بين طيف الألوان، حيث يأتي بالمرتبة الثّانية بعد اللّون الأصفر؛ ويعود السّبب في ذلك إلى الطّول الموجيّ الطّويل الخاصّ به، لذلك له قدرة كبيرة على جذب انتباه الأشخاص بسرعة، إنّه تحفيز وطاقة وهيمنة وتمرّد ونضال ومقاومة ودمٌ .كما يدخل اللّون الأحمر في الدّلالات العاطفيّة ضمن العلاقات باعتباره أحد الألوان الدّافئة التّي لها تأثير ساحر لخلق مزاج رومانسيّ، وعاطفيّ، وقد يدلّ على القوّة والغضب والموت وكذلك الحرب والثّورة …
وقد استندت الكاتبة – وهي تنعت قصرها – على الفنون التّي تأخذ وضعها الخاصّ في حياة الإنسان؛ إذ تشكّل طرائقه المتفرّدة والمختلفة من حيث طبيعة وسائطها وبنائها واشتغالها الدّلاليّ. فهي أنماط تعبيريّة تقدّم تصوّراتها عن ذاتها وعالمها؛ ممّا يجعلها صياغة للتّجربة الإنسانيّة، بوسائط متعدّدة بصريّة أو لفظيّة ، وذلك لرسم هيئات تخييليّة تقوم على ضرب من الهيمنة اللّونيّة”الأحمر”لإثارة العواطف أو تكثيفها بإدماجها في تصوّرات الذّوات ورؤيتها للعالم. ويجعلنا هذا الأمر نعود إلى العلاقة القائمة بين العالم المرئيّ “القصر” والذّات المدركة من جهة”الكاتبة”، وعلاقة العالم المرئيّ والإدراك باللّغة من جهة أخرى، من أجل فهم الطّريقة التّي تتجلّى بها المظاهر البصريّة داخل النّصوص اللّفظية، في علاقة متفرّدة بين اللّونيّ واللّفظيّ بوصفهما وسيلتيْن يستخدمهما الإنسان لإعادة بناء وترتيب عالمه، وهي مباحث أولتها الفلسفات أهميّة خاصّة، والفلسفة الظّاهراتيّة على وجه التّحديد.فقد لا يظهر الواقع الماديّ في هذه الحالة إلاّ عندما يكون واقعا في حيّز إدراك الإنسان ووعيه به. فحضور الألوان في حياتنا، يشكّل جانبا من سلوك الإنسان، وإنّ سلوك الإنسان يتحدّد بثلاثة أبعاد هي: البيئة أو العالم الخارجيّ (بما في ذلك المجتمع)، والعالم الدّاخليّ الذّي يتضمّن متغيّرات كثيرة من بينها الانفعالات. واللّون وغالبا ما يرتبط بالإحساس بالسّرور أو بنقيضه. وتثير الألوان فينا انفعالات متعدّدة، وتظهر توافقا بين تركيبتها وأمزجة النّاس، فيميل الإنسان إلى السّكينة والتّأمل إذا كان في محيط يعكس الألوان الباردة كالأزرق مثلا، كما يتّجه نحو الحركة والتّوتّر إذا كان في محيط يعكس الألوان السّاخنة كالأحمر مثلا.
وغالبا ما يتّصل اللّون بالأشياء والفضاءات؛ إذ” يمكن لأيّ لون أن يحدّد ملامح المكان والأشياء والذّوات “.فينتج عن ذلك ضرب من العلاقات ذات تقاطبات؛يتعالق فيها الجماعيّ والفرديّ، الأشياء والذّوات، الماضي والحاضر، الواقعيّ والتّخييليّ .فينبع ذاك
التّفاعل بين المكان والألوان ، وهم ما من شأنه أن ينشئ مجالا للتّوتر والانفعال.
وقد طغى اللّون الأحمر في الجملة الاسميّة إنّه لون حاضر غائب ، حيث يبدأ القارئ بإطلاق الاحتمالات المُمكنة لتطويق الإيحاءات التّي تبعثها كلمة “الأحمر”، ويقوم السّرد في كثير من مواقعه بحصر هذه الاحتمالات العائمة على امتداد مساراته، ويفسّرها بمنح القارئ علامات ومفاتيح ينطلق منها لتأكيد احتمال بدل آخر، أو الاستغناء عنها جميعا لاكتشاف تأويلات أخرى قد توحي بها الرّؤى ومجالات التّبئير في المتن الحكائيّ.
فاللّون الأحمر لون مرئيّ باعتباره”لغة بحدّ ذاته ..نرى الأحمر القاني يكسو المشاهد الدّامية”(ص263) مشاهد أحالت على المقاومة والتّحدّي والنّضال في سلسلة من الصّور تقدّم مضمون النّص السّردي وتمفصلاته، فهي “وحدات مضمونيّة تعمل على وصف الأدوار العامليّة لشخصيّات وثّقت بفرشاتها “الحدث في مشهد المواجهة المصيريّ بين “أبي زيد” و”خليفة الزّناتي”
(ص264)…
فهذه الصّور التّي تنظّم الشّخصيّات والفضاءات والأزمنة والعلاقات ما تلبث أن تكوِّن روابط مع البنية العميقة؛ حيث تحرّك الفاعليّة السّرديّة، ومن خلالها القيم الدّلاليّة المتشابكة بصيغ مختلفة؛ فتنطلق الكلمة نحو سياقات جديدة؛ إذ يتحوّل اللّون الأحمر في علاقته مع الفضاءات والذّوات من حالاته المعجميّة إلى تموضعات دلاليّة للآثار والقيم التّي تؤثّر على قراءة النّص.فهو قد صنع للقصر قيما أكثر عمقا وتكثيفا، فهو أعاد صياغته وتحديد وجوده ووعينا به، الأمر الذّي أشار إليه “جاك فونتانييه” بقوله: “إنّ الانتشار البراغماتي للألوان في المكان يمكّن من إعادة تكوين بُعد معرفيّ حقيقيّ تكون فيه آثار اللّون تجليّات للمعرفة والانبهار ” . فوجود الألوان داخل الكتابة يرتبط منذ البداية بهاجس الكاتب في محاولة خلق إيهام بالواقعيّة، فيدرج الأشياء ويقوم بتلوينها لتحفيز ذاكرة القارئ ودفعها للتّواصل مع العناصر النّصية، من خلال البحث عن الانسجام الذّي يتغلّب على هاجس تمثيل الواقع، ذلك أنّ القصديّة التّي تظهر خلف توظيفها ليست نقل الواقعيّ، ولكن صناعة عالم بديل ينشأ معتمدا على عناصر واقعيّة، يقوم بتحويلها وتأسيس دلالات ومعانٍ حوافٍ. فاللّون لا ينفصل عن مرجعيّاته المعرفيّة والثّقافيّة التّي تتحكّم فيه، ولا تؤخذ دلالته منفصلة عن مسار النّص الحدثيّ، الذّي رسّخت فيه الكاتبة لونا واحدا
(الأحمر) بصفته تغطية للاحتمالات اللّونيّة والإنسانيّة
الممكنة.
ما ماهيّة المكان/وظائفه؟
إنّ المكان في الأدب لا يعكس الدّلالة الجغرافيّة فقط، وليس مجرّد بنية للمسرود الذّاتيّ فحسب، بل يساهم في تشكيل أبعاده الدّلالية، لأنّه غالبا ما تتّصل مكوّناته بأبعاد ثقافيّة واجتماعيّة، وتعبّر عن تاريخ مضى فتصبح كرمز له، كما أنّ المكان رمز من رموز الهويّة، ويمثّل جزءً من الذّات الإنسانيّة، والمكان كتيمة في المحكيّ ، هو عبارة عن جسر يوصل المتلقّي إلى الكثير من الدّلالات العميقة التّي يُمرّر من خلالها المبدع أفكاره. ويتحوّل المكان فى الأعمال الأدبيّة إلى فضاء يحتوي عديد العناصر كالأحداث والشّخصيات، وما بينها من علاقات، ويمنحها الزّمن الذّي تفعل فيه، وتعبّر من خلاله عن وجهة نظرها، ويكون هو نفسه المساعد على تطوير بناء المحكيّ، والحامل لرؤية البطل أو الأبطال، والممثّل لمنظور المؤلّف.فهو “يتّخذ أشكالاً ويتضمّن معانى عديدة، بل إنّه قد يكون فى بعض الأحيان هو الهدف من وجود العمل كلّه”.إنّه عنصر فنّي رغم الإشارة إليه أو تسميته في بعض الأحيان.فهو ذاك المكان اللّفظيّ المتخيّل، أيّ المكان الذّي صنعته اللّغة انصياعاً لأغراض التّخييل وحاجاته ، لغة من خلال قدرتها على الإيحاء لا بالعودة إلى عالم الواقع، بل بخلق عالم مستقّل، له خصائصه الفنيّة التّي تميّزه عن غيره من الأماكن.
ويلعب المكان عدّة وظائف كـــــ:
1/ احتواء الأحداث التّاريخيّة.
2/ رسم العلاقات بين الشّخصيات.
3/ تحديد ملامح علاقة الكاتب بالمكان الواقعيّ/ التّخييليّ.
4/ تشبيك خيوط البنية السّرديّة بين الزّمن/ الأحداث/ الشّخصيّات…” ليصبح نوعاً من الإيقاع المنظّم لها”إنّه في نهاية المطاف “مكوّن جوهريّ لا مجرّد ديكور”
5/ الإحالة على شبكة من العلاقات والرّؤيات ووجهات النّظر التّي تتضامن مع بعضها لتشييد المكان السّرديّ. فهو يؤثّر فيها، ويقوّى من نفوذها، كما يعبّر عن مقاصد المؤلّف .
6/تنويع المستويات التّي تُحدّد ملامحه من قِبل الرّاوي، بوصفه كائناً مُشخّصا، وتخييليّا ، أساسا، ومن خلال اللّغة، ثمّ من لدُن الشّخصيات الأخرى التّي يحتويها المكان، وفى المقام الأخير من قِبل القارئ.
7/ تحديد زاوية الكاتب أوّلا والمتلقّي ثانيا.
8/اكتساب المكان هويّته من خلال ذاك التّفاعل بين ما يحتويه من خلال زاوية نظر الرّاوي/ الشّخصيات التّي تخترقها وأفكارها حوله.
فالمكان يتشكّل من خلال “الأحداث التّي يقوم بها الأبطال ومن المميزات التّي تخصّهم”
وقد ميّز “غالب هلسا” بين ثلاثة أنواع للمكان بحسب علاقة المسرود به، وهي:
1/المكان المجازيّ: وهو الذّي نجده فى رواية الأحداث وهو محض ساحة لوقوع الأحداث لا يتجاوز دوره التّوضيح ولا يعبّر عن تفاعل الشّخصيات والحوادث.
2/المكان الهندسيّ:وهو الذّي يصوّره السّرد بدقّة محايدة، تنقل أبعاده البصريّة، فتعيش مسافاته، وتنقل جزئيّاته، من غير أن تعيش فيه.
3/المكان بوصفه تجربة تحمل معاناة الشّخصيات وأفكارها ورؤيتها للمكان وتثير خيال المتلقّي، فيستحضره بوصفه” مكاناً خاصاً متميزا”.
ولعلّ تسمية المكان هي أوّل السّبل إلى بناء المكان، فتسميته تحيل القارئ على المكان الذّي يحمل الاسم نفسه فى الواقع، كما هو الحال مع الكاتبة” ياسمين خدومة””القصر الأحمر” وإنْ كان المكان في السّرد ليس هو المكان نفسه فى الواقع، ومن هنا تنشأ المفارقة، لأنّ التّسمية محض وسيلة أوليّة باهتة، لايمكن أن تقوم وحدها ببناء المكان السّرديّ.إنّ المكان – من هذا المنطلق- لفظ متخيّل، يحيل إلى نفسه، ولا يتأثّر بمحاولات الكتّاب تسميته باسم حقيقيّ بغية إيهام القارئ بمصداقيّة الحوادث وواقعيّتها.
ما علاقة المكان بالوصف؟
يحقّق الوصف الإيهام بالواقع .فهو ينهض بتجسيد مشهد من العالم الخارجيّ في لوحة مصنوعة من الكلمات، والكاتب عندما يصف لا يصف واقعاً مجرّداً، ولكنّه واقع مشكّل تشكيلاً فنيّاً، عبر “سرد يعيد الحياة إلى شوارع القصر وبيوتها وأفنيتها” “القصر الأحمر”(ص5).وهذا الوصف للأشياء، تحقّق بوساطة اللّغة التّي صوّرت الأشياء فى المكان تصويرا فنّيا، والأشخاص التّي ستخترق المكان تمجيدا”في جانفي 1966 جلس أحمد تليلي إلى طاولته،يحاصر الورق بنظراته الحادّة ويمسك بالقلم كما لو كان سيفا يشهره في وجه الاستبداد لم تكن رسالته التّي خطّها إلى الحبيب بورقيبة خطابا سياسيّا عابرا، بل كانت شهادة تاريخيّة، بل صرخة مدوّية في وجه نظام يضيق ذرعا بأيّ صوت معارض”
(ص182). ومن هنا أصبح المكان “تعبيرات مجازيّة عن الشّخصية،(القصر) لأنّ مكان الإنسان امتداد له .ولا يقف الوصف عند ما ذُكر، إنّما يقف عند التّفاصيل الصّغيرة، غايته منها إيهاميّة، إذْ يدخل العالم الخارجيّ بتفاصيله إلى العالم السّرديّ التّخييليّ. فيشعر القارئ أنّه يعيش فى عالم الواقع لا عالم الخيال، ويخلق انطباعاً بالحقيقة أو “تأثيراً مباشراً بالواقع” عبر لغة ذات إيقاع مؤثّر “كانت الجدران تتنفّس الحياة، تتكلّم عن الأوجاع،وعن كلّ الأحلام التّي حاولت أن تنجو من الزّمن”
(ص15).إنّها لغة ذات منظور نفسيّ فنّي جماليّ تداخلت فيه سيرتان: سيرة مكانيّة “القصر الأحمر””مكان حيّ، مكان لا يترك خلفه إلاّ الأثر” وسيرة ذاتيّة”بل أنا جزءٌ من القصّة أختفي في الظّلال”(ص15). وهو تداخل قام على مبدأيْن متناقضيْن، هما الاستقصاء والانتقاء لشخصيّات وأزمنة وألوان وروائح وعلاقات…
ما علاقة المكان بساكنيه؟
تسرد علينا السّيرة المكانيّة سيرة راوٍ يقدّم لنا شخصيّات لها رؤاها تعيش فى مجتمع بعينه، يتحرّكون في زمن بعينه، يقومون بأحداث بعينها ، لها دلالات بعينها،يُخضعها الإنسان إلى علاقات إنسانيّة ونظم لإحداثيات المكان.فهو في كثير من الأحيان يلجأ إلى اللّغة “لإضفاء إحداثيّات مكانيّة على المنظومات الذّهنية” فإضفاء صفات مكانيّة على الأفكار المجرّدة يساعد على تجسيدها، وتستخدم التّعبيرات المكانيّة بالتّبادل مع المجرّد ممّا يقرّبه إلى ذهن المتلقّي.فيرسم للمكان صورة مُثلى”توقّفت عند النّقش،ثمّ رفعت يدي بلطف عن الجدار، كما لو كنت أتلمّس ذاكرة حيّة..أدركت أنّني أستمع لرسالة القصر،رسالة تحمل صمتا لا يمكن تفسيره”
(ص15).إنّه صمت عبّر عن وعي الكاتبة بتلك”الفجوة بين الماضي والحاضر”(ص15).
فجوة تداخلت فيها الأفكار وتداعت عبر صور رصّفتها الذّاكرة .
ما الصّلة بين المكان والذّاكرة؟
إنّ الذّاكرة هي ذلك المعين الحيويّ الذّي من شأنه رفد الصّورة الفنيّة للشّخصية المبدعة بمعطيات البناء، ويمنحها بريقاً يمثّل مكوّناتها الدّاخلية. فالذّاكرة هي الأصل حينما يتعلّق الأمر بالعمل الإبداعيّ وخاصّة الكتابة. ولا تقتصر الذّاكرة على الإنسان ،
فحتّى الأمكنة تتمتّع بذاكرة تكسبها عراقة وتمنحها بصمة سوف تتبدّى حتّى في معمارها ولغة أهلها وتراثها الشّعبيّ الذّي يشمل الملابس والعادات والتّقاليد والأسواق القديمة، وكلّ ذلك يمثّل المنهل الأساسيّ الذّي يستقي منه المؤلّف مادته الحكائيّة.وترتبط الذّاكرة بكلّ تفاصيل الحياة الإنسانيّة وعاطفتها بكلّ ما فيها من توتّرات وحنين.والذّاكرة ذاكرتان:
1/ذاكرة عرضيّة تخزّن التّجارب الشّخصية المحدّدة.
2/ ذاكرة دلاليّة تخزّن المعلومات الواقعيّة.
3/ الذّاكرة المكانيّة:وهي جزء من الذّاكرة المسؤولة عن تسجيل المعلومات حول بيئة الشّخص وتوجّهه، لذلك حينما تتجوّل ياسمين خدّومة” في” قصرها الأحمر” استلزم الأمر منها البحث عن أدوات البناء الفنيّة اللاّزمة لإعادة بناء قصر طمست ملامحه ومن ثمّ التّعامل معه ككائن “حيّ”
(ص15) كي تشارك بقيّة أبطال القصر صراعاتهم وأحلامهم وأفكارهم، فالمدن لا تنمو إلاّ في الذّاكرة الخصبة ،قد يدمّرها الخوف من السّلطات، ولكنّها في الذّاكرة الجمعيّة تظلّ حيّة لا تموت”كانت الجدران تلمع في ضوء المصابيح الخافت، تروي حكايات غامضة ترفض أن تموت”(ص13).
لقد تعاملت “ياسمين خدومة” مع الأمكنة بحميميّة خاصّة لأنهّا خيوط منسوجة من الذّاكرة، وكانت تعيد سردها بتفاصيلها الزّمكانيّة، متّكئة إلى حدٍّ كبير على الذّاكرة بكلّ مستوياتها”محمّد خدومة اسم محفور في ذاكرة التّاريخ النّضاليّ ضدّ المستعمر الفرنسيّ، كانت انطلاقته النّضاليّة بمعركة الفوّارة سنة1926″(ص130).
وقد أسهمت الذّاكرة في ربط الصّلة بين سيرة ذاتيّة وسير غيريّة وتشكيلها تشكيلا جماليّا وزخرفتها بزخارف لغويّة محمّلة بالصّور الفنيّة ، وتحديد كتلها ذات البنية المستقرّة التّي تتألّف من الشّخصيات والزّمان والمكان والأحداث ، وهذا ما جعل سير أهل القصر خالدة مستمرّة في عالم يتغيّر كـــــــــسيرة:
1/أحمد تليلي”حامل لواء الحريّة(ص178).
2/أحمد دولة”كان رمزا للوطنيّة الملتزمة والذّكاء الاستثنائيّ(ص193).
3/دادا عيشة”كانت رمزا للعمل والكفاح..مثالا بارزا في مجال التّجارة(ص252).
لطيفة القفصي”أيقونة الفنّ والمقاومة..كانت تواجه تحدّيات مضاعفة…رفضت أن تكون ضحيّة للعادات البالية”
(من ص255 إلى ص257
إنّها ذاكرة ذات مرجعيّات
سياسيّة و اجتماعيّة و تاريخيّة و أدبيّة وهذه الأخيرة تفترض وجود البعديْن: الواقعيّ والتّخييليّ لكي تؤدّيَ وظيفتها الفنيّة داخل السّرد وفق الوعي باللّحظة الرّاهنة للحاضر .وهذا الوعي يظلّ في حركته “جاريا ولا تحددّه أفكار تعسفيّة عن الزّمن”. وهو زمن أخضعته الذّاكرة إلى الانتقاء والتّنقيب الذّي من شأنه أن يسلّم للقارئ مفاتيح الشّخصية، وأسرار المدن وما حلّ بها”لم يبق من علي بن عبد الله القصري سوى ذكرى”(ص350) .فالتّنقيب فيها يساعد على فهم أبطال الحكي وإعادة رسمهم ليواكبوا سير الأحداث وفق رؤية الكاتبة حيث أنّ لتطورات الأحداث أسباب لها في الماضي ولم تأت اعتباطاً في نصّ يحترم عقل القارئ. وقد يشطح الخيال بالمبدع للتّخلص من أثر الماضي وبناء حلم جديد وفق رؤيته؛ ولكن عليه أيضاً ألاّ يبتعد عن الواقع حتّى ولو انتقل الزّمكان بالنّص إلى مدارات تاريخيّة، ما دامت الرّؤية تستهدف الإنسان. ولا بدّ للذّاكرة أن تكون حاضرة في عصف تلك الأسئلة التّي تربط الشّخصيات بجذورها ولو كانت مهمّشة ومُقصاة. ففي الذّاكرة توجد العاطفة وبدونها تتحوّل الشّخصية إلى شخصيّة محنّطة تتحاذف أخبارها ألسنة روّاة ، قد يقطعون الطّريق أمام ما يتدفّق في أعماقها من ذكريات وما بقي منها من مآثر بعد رحيلها إلى مدن النّسيان”أنجب علي بن عبد الله القصري ولدا واحدا ،بلقاسم ،لكنّ إرثه الحقيقيّ لم يكن في نسل يمتدّ ، بل في كلماته التّي بقيت تهزّ القلوب بعد رحيله،لقد أنجب أمّة كاملة من النّاقمين، ممّن جعلوا من شعره نشيدا للرفض، ومن كلماته راية يرفعونها في وجه الطّغيان.كان يعلم أنّ الكلمات لا تموت، فظلّ صوته يتردّد حتّى بعد أن أغلقت السّقيفة وطُويت الأيّام”(ص349). فالذّاكرة وما يتداعى من أعماقها منحت الكاتب القدرة على بناء مسروداتها التّي تختلط فيها مكوّناتها الفكريّة والإنسانيّة وهمومها وقضاياها، لإغراء القارئ إلى طرْق بابها حتّى يستكنه مكنوناتها.
وتعمل الذّاكرة بشكل أو بآخر على المزج بين سيرتيْن:
1/سيرة ذاتية”أنا الآن جزء من القصّة”(ص15)
2/سير غيريّة:
*”دادا عيشة”(من ص252- ص254).
* لطيفة القفصي(من ص255- ص259).
*المرأة القصريّة (من ص240
إلى ص251)
وهذا المزج بين ضربيْن من السّير يرسم ضربا من الازدواج بين غرض ظاهر مع غرض باطن من جهة، ثم تضافر استقراء موضوعيّ مع تسويغ ذاتيّ من جهة أخرى، فإذا بهذا الازدواج المتضاعف يستحيل معضلة فنيّة. فلا يقاس توفّق الكاتب في هذا الجنس الأدبيّ إلاّ بمدى إحكامه لنسج ظفيرتها. على أنّ الثّنائية النّوعيّة التّي يجتمع فيها الاستقراء الخارجيّ للأحداث مع الاستبطان الدّاخلي للانفعالات والأحاسيس”المدينة هي أنا وأنا هي المدينة،هل يمكن أن أعيش هنا بدون أن أتأثّر بأدقّ تفاصيلها؟”
(ص22)، هو استشفاف لذاك الالتحام بين سِير تتعاضد وتتناسل لترسم فعل الإنسان في الوجود ، وتؤرّخ له من منطلقات نفسيّة واجتماعية وتاريخية وفنيّة.
خاتمة:
فــــ”القصر الأحمر” لـــــ”ياسمين خدومة” هو شذرات ومقاطع وضعت لها عناوين مستقلّة ، في أربعة فصول غير متساوية. اجتمعت فيها عديد الأجناس الأدبيّة من مذكّرات وسيرة ذاتية(حضور ضمير المتكلّم بكثافة والذّاكرة …) وسير غيريّة متفاوتة من حيث مادتها السّرديّة ومواطن تبئييرها.وقد عمدت الكاتبة إلى تجنيسها تحت مسمّى”دراسة” منعوت لا نعت له،فهل هي دراسة تاريخيّة؟أم دراسة أنثروبولوجيّة؟ أم هي دراسة جغرافيّة؟الأمر الذّي أوقع المؤلَّف في الغموض وقذف بالمتلقّي في الحيرة والتّذبذب…هو كتابة هجينة فقدت هويّتها الأجناسيّة،إلاّ أنّها في ذات الوقت وثّقت للقصر الأحمر مكانا وزمانا وأعلاما وأفعالا أرادت لها الخلود في وجه الفناء ومقارعة النّسيان…
تمّت

