لم تكن تحلم بالكثير كل ما كانت تريده بيت صغير يحتضنها ورجل يحملها في قلبه قبل أن يحملها في اسمه كانت تراه وطنا حين ضاقت بها الأوطان وكان هو النبض الذي يجعل أيامها تمضي وهي مبتسمة رغم قسوة الدنيا سنوات طويلة عاشتها وهي تزرع فيه الوفاء تروي حبه بدمعها وتصلي من أجل سعادته في كل سجدة كأنها تخاف عليه من النسيم إن مر عليه بغير إذنها لكن القدر لم يمنحها ما تمنت لم يكتب لها طفلا تراه يكبر بين يديها ولم يرزق هو بخلف يحمل اسمه فكان أن جاءها ذات مساء بنظرة باردة وصوت متردد وقال أريد أن أتزوج بأخرى فقط لأنجب قالها وكأنها حديث عابر وكأن قلبها ليس بين يديه منذ سنين وكأنها لم تكن له حبيبة وزوجة وصديقة وأما بديلة عن كل أم في الدنيا ابتسمت رغم الدمعة التي خنقتها ووافقت بصدر رحيم كمن يقدم قلبه قربانا كي لا يقال عنه أناني أو ظالم باركت زواجه الثاني ووقفت بجانبه كما لم تفعل أي امرأة رأت الفرحة في عينيه يوم زفوه إلى الأخرى فاختنقت روحها بصمت نبيل ودفنت وجعها في صدرها حتى لا يشعر أحد بأن فيها ألما مرت الأيام وأنجبت له الأخرى ما لم تستطع هي أن تنجب فغدا البيت الأول كذكرى قديمة يزوره فقط حين يضيق صدره أو يختلف مع الجديدة يأتيها كالعابر لا يحمل بيده وردة بل بقايا حزن من بيت آخر فتستقبله بابتسامة تليق بالمحبين وتصلح ما أفسدته الأيام وكأنها استبنه في طريق متعب تبدل عند الحاجة وتنسى عند الراحة نسي كل جميل صنعته له نسي ليالي المرض التي سهرت فيها بجانبه نسي دموعها التي أخفتها عنه حتى لا تجرح رجولته نسي أنها حين وافقت على زواجه الثاني لم تكن راضية بل كانت تضحي بنفسها كي لا تراه حزينا نسي أنها كانت الوطن حين كانت الأخرى مجرد مدينة جديدة يسكنها الفضول صارت حياتها نصف حضور ونصف غياب تعيش على فتات الوقت الذي يمنحه لها تضحك حين يأتي وتبكي حين يرحل كأنها ظل امرأة لا ترى إلا في لحظات الخذلان وحدها لياليها تعرف كم بكت كم تحدثت مع الله عن صبر بات يثقل كاهلها وكم تمنت لو أنها لم تكن طيبة إلى هذا الحد فالطيبة حين تمنح لمن لا يستحق تتحول إلى لعنة لم تندم على حبها لكنها ندمت على أنها لم تحب نفسها كما أحبته فقد جعلت من قلبها محطة انتظار لمن لا يستحق البقاء حتى صار وجودها في حياته مثل الاستبنه تماما تستدعى عند الحاجة وتنسى عند السعادة وفي ليلة هادئة وقفت أمام مرآتها وقالت بصوت خافت لن أكون استبنه بعد اليوم لقد كنت يا نفسي قلبا نابضا لا قطعة احتياط في طريق رجل لا يعرف معنى الوفاء ومن يومها اختارت الصمت لا ضعفا بل كرامة اختارت أن تكون ظلها وحدها لا ظل أحد غيرها تركت له طريقه بما فيه من وجع وزيف وسارت في طريق جديد رسمته لنفسها طريق لا يشبه الانكسار بل يشبه القيامة بعد موت طويل فبعض النساء يا صديقي لا يكسرن حين يظلمْن بل يبعثن من رماد الألم أجمل مما كن عليه هي لم تعد استبنه بل صارت ذاتها وصار هو مجرد ذكرى باهتة في دفتر طواه النسيان

