أثارت واقعة منع بعض السيدات من الإقامة بمفردهن في أحد الفنادق حالة من الجدل المجتمعي، وتبعها تحرك برلماني قادته النائبة أميرة صابر، التي أكدت أن هذا المنع يُعد «انتهاكًا صريحًا للدستور والقانون»، مشيرة إلى أن الحق في الإقامة مكفول للجميع دون تمييز، وطالبت بمحاسبة المخالفين.
ورغم تقديري الكامل لأي تحرك يهدف لحماية الحقوق الدستورية، إلا أنني – كمحامية مسلمة مصرية – أرى أن هذه القضية لا يجوز اختزالها في إطار قانوني مجرد، بمعزل عن الشريعة الإسلامية ومقاصدها، التي تمثل أحد المصادر الرئيسية للتشريع في الدولة المصرية.
أولًا: الإطار الدستوري… حق لا خلاف عليه
الدستور المصري كفل:
حرية التنقل
وحرية الإقامة
ومبدأ المساواة وعدم التمييز
وهذه حقوق أصيلة لا يجوز المساس بها تعسفًا أو بإهانة.
لكن القاعدة القانونية المستقرة تقرر أن الحقوق ليست مطلقة، بل تُنظم بضوابط تحقق المصلحة العامة وتحمي الأفراد من الضرر.
ثانيًا: الموقف الشرعي من إقامة وسفر المرأة بمفردها
الشريعة الإسلامية لم تأتِ لتقييد المرأة أو التقليل من شأنها، بل جاءت لحفظ كرامتها وصيانة أمنها وعِرضها.
وقد ورد عن النبي ﷺ:
«لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم»
(متفق عليه)
وأجمع جمهور الفقهاء على أن:
سفر المرأة
أو مبيتها خارج منزلها
لا يكون إلا لضرورة أو حاجة معتبرة، ومع وجود محرم أو رفقة مأمونة.
وهذا الحكم لم يُشرع عبثًا، وإنما لتحقيق مقصد شرعي عظيم هو حفظ النفس والعِرض.
ثالثًا: لماذا أرفض إقامة المرأة بمفردها دون محرم؟
موقفي هنا شرعي وقانوني في آنٍ واحد، وليس موقفًا اجتماعيًا أو شخصيًا.
أرفض إقامة وسفر المرأة بمفردها دون محرم للأسباب التالية:
لأن الأصل في الشريعة هو الرعاية لا الإطلاق
قال الله تعالى:
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾
[الأحزاب: 33]
والمقصود الاستقرار والاحتياط، لا المنع المطلق ولا الحبس.
لأن وجود المحرم:
حماية
مسؤولية
ضمان أمان
وليس إهانة أو انتقاصًا من قدر المرأة.
لأن الواقع العملي أثبت أن المرأة تكون أكثر عرضة للاستغلال أو الأذى عند السفر أو الإقامة منفردة، والشريعة جاءت لتسد أبواب الضرر قبل وقوعه.
رابعًا: هل هذا الموقف انتهاك للدستور؟
القول برفض إقامة وسفر المرأة دون محرم لا يعني الدعوة إلى التمييز أو الإهانة، وإنما يعني:
وضع ضابط
تحقيق مصلحة
وتقديم الحماية على الإباحة المطلقة
فليس كل ما هو مباح قانونًا يكون محمودًا شرعًا، وليس كل ضابط شرعي يُعد تعديًا على الحقوق.
الخلاصة:-
القضية ليست صراعًا بين:
الدستور والشريعة
بل هي بحث عن التوازن العادل.
نعم، المرأة لها حقوق كاملة.
نعم، لا يجوز إهانتها أو التعسف ضدها.
لكن لا يجوز أيضًا تجاهل الضوابط الشرعية بدعوى الحرية.
فالشريعة الإسلامية تحمي المرأة ولا تُقيدها،
وتُكرمها بالرعاية لا تتركها فريسة للمخاطر.
فالحرية بلا ضوابط قد تتحول إلى تهديد،
والشريعة جاءت دائمًا لتحفظ لا لتنتقص.

