“اصبر.. غيرك يعاني أكثر”، “كن إيجابياً وتفاءل”، “لا شيء يستحق كل هذا الحزن”. عبارات تبدو في ظاهرها كطوق نجاة، لكنها في الحقيقة قد تكون القشة التي تقصم ظهر المتألم. تحت ستار “النصيحة” و”حب الخير”، نمرر أحياناً رسائل مسمومة تزيد من عزلة الشخص بدلاً من احتضانه.
قصة من الواقع: حين تقتلك “كلمات التشجيع”
سارة، مهندسة ناجحة وشابة طموحة، مرت بفترة فقدان قاسية بعد رحيل والدتها. في عزائها، لم تكن تسمع سوى: “كوني قوية من أجل إخوتك”، “البكاء لن يعيدها”، “المؤمن لا ييأس”.
استجابت سارة للنداء، حبست دموعها، وارتدت قناع القوة الحديدية. ولكن بعد أشهر، انهارت تماماً، ليس بسبب الحزن فحسب، بل بسبب الثقل الذي وضعته تلك “النصائح” على كاهلها. لقد أُجبرت على تخطي مراحل الحزن دون أن تعيشها. تقول سارة لاحقاً: “لم يقتلني الفقد، بل قتلتني ضرورة أن أكون بخير في وقت كنت فيه محطمة”. قصة سارة هي قصة الآلاف الذين يغرقون خلف ابتسامات مصطنعة، لأن المجتمع لم يمنحهم “الحق في الألم”.
فخ “الإيجابية السامة”
نحن نعيش في عصر يقدس السعادة الإجبارية، حتى أصبح الحزن يُعامل كأنه “خلل” أو “ضعف”. عندما تخبر شخصاً يمر بأزمة بضرورة الابتسام، أنت لا تساعده، بل تمنحه شعوراً بالذنب فوق ألمه. هذه هي الإيجابية السامة؛ التي تدفع الإنسان لإنكار مشاعره الحقيقية وارتداء قناع الرضا، مما يؤدي إلى ضغط نفسي يولد انفجاراً لاحقاً.
“انظر لمن هم أسوأ منك”.. مقارنة قاتلة
من أشهر النصائح المسمومة هي ربط معاناة الشخص بمعاناة الآخرين. رغم أن الهدف هو “التهوين”، إلا أن مفعولها عكسي تماماً. المعاناة ليست سباقاً، والألم النفسي نسبي؛ فما قد تراه بسيطاً قد يراه غيرك جبلاً لا يطاق. إخبار المتألم بأن هناك من يعاني أكثر منه يجعله يشعر بأن ألمه “غير مشروع”، مما يغلق أبواب البوح لديه تماماً.
كيف تكتشف النصيحة السامة؟
النصيحة الصادقة هي التي تمنحك مساحة للشهيق، أما النصيحة المسمومة فهي التي:
تُسخّف من مشاعرك: “الموضوع بسيط، لا تكبّر الأمور”.
تُشعرك بالتقصير: “أنت من فعلت بنفسك ذلك”.
تفرض عليك وقتاً للتعافي: “لقد مر وقت طويل، انسَ الأمر”.
بدائل الدعم الحقيقي
الدعم النفسي لا يحتاج دائماً إلى “حِكم” أو “مواعظ”. أحياناً يكون الصمت أبلغ، والإنصات أعمق. وبدلاً من إلقاء نصيحة معلبة، جرب أن تقول:
“أنا لا أشعر بما تمر به تماماً، لكني بجانبك”.
“من حقك أن تحزن، خذ وقتك بالكامل”.
“كيف يمكنني أن أخفف عنك؟ أنا هنا لأسمعك”.
كلمة أخيرة
قبل أن تنطق بنصيحة، تأكد أنها لن تكون حجراً إضافياً في حقيبة شخص يحاول الوقوف. الصحة النفسية تبدأ من الاعتراف بالألم لا نكرانه، ومن التعاطف لا إلقاء الأحكام. فلنرتدِ ثياب “المشاركة الوجدانية” بدلاً من ثياب “الناصحين” الذين لا يبصرون إلا السطح.

