لم تعد أزمة المرأة في عصرنا هي الحرمان من التعليم، أو منعها من العمل، أو إقصاؤها عن المشاركة في المجتمع كما كان يحدث في أزمنة مضت. لقد أثبتت المرأة قدرتها على النجاح في جميع الميادين، فأصبحت طبيبة وقاضية ومحامية ومهندسة ووزيرة ورائدة أعمال وعالمة، ولم يعد أحد يستطيع إنكار ما وصلت إليه من مكانة.
ومع ذلك، ورغم كل هذه النجاحات، يزداد سؤال يفرض نفسه بإلحاح:
لماذا تشعر كثير من النساء بالفراغ رغم النجاح؟ ولماذا أصبحت الاكتئاب والقلق والوحدة أكثر حضورًا في حياة المرأة المعاصرة؟
أعتقد أن الإجابة لا تكمن في نقص الحقوق، وإنما في أزمة أعمق… أزمة الهوية والأنوثة.
وأكتب هذا المقال ليس بصفتي امرأة فقط، بل بصفتي امرأة خاضت هذه التجربة بنفسها.
كنت كلما حققت نجاحًا، شعرت بسعادة كبيرة، لكنها كانت لا تستمر إلا ساعات أو أيامًا قليلة، ثم يعود ذلك الفراغ مرة أخرى. كنت أظن أن المشكلة في أنني لم أصل بعد إلى النجاح الكافي، فأضاعف جهدي، وأضع أهدافًا جديدة، وأركض أكثر، ثم أكتشف أن الشعور نفسه يعود من جديد.
كنت أعتقد أنني أحتاج إلى إنجاز أكبر، حتى بدأت أتأمل في فلسفة الخلق.
خلق الله الإنسان بحكمة، ولكل من الرجل والمرأة طبيعة تميزه عن الآخر. وقد تأملت في أن الرجل خُلق من طين الأرض، وهي مادة توحي بالثبات والسعي والتعمير وتحمل أعباء الحياة، بينما خُلقت المرأة من ضلع آدم، من الإنسان نفسه، وفي هذا الخلق دلالة رمزية يراها كثير من العلماء والمفكرين تشير إلى القرب، والمودة، والرحمة، والاحتواء، لا إلى الصراع والمنافسة.
عندها سألت نفسي سؤالًا غيّر كثيرًا من أفكاري:
هل كنت أبحث عن السكينة في المكان الخطأ؟
أدركت أن النجاح يمنحني الشعور بالفخر، لكنه وحده لا يمنح القلب الطمأنينة.
فالمرأة تستطيع أن تكون ناجحة، بل ويجب أن تكون متعلمة، مثقفة، مستقلة، وصاحبة قرار، لكن نجاحها لا ينبغي أن يكون على حساب طبيعتها، ولا أن يتحول إلى معركة تثبت فيها كل يوم أنها تشبه الرجل.
وهنا بدأت الأزمة الحقيقية.
لقد أقنعتنا بعض الأفكار الحديثة بأن المرأة القوية هي التي لا تحتاج إلى أحد، والتي لا تبكي، ولا تلين، ولا تعتمد، ولا تطلب المساندة، وكأن الرقة أصبحت تهمة، والعاطفة أصبحت ضعفًا، والحياء أصبح تخلفًا.
بل وصل الأمر إلى أن أصبحت بعض النساء تشعر بالخجل من صفاتها الفطرية، وتحاول إخفاء لينها حتى تبدو أكثر قوة.
لكن هل هذه هي القوة فعلًا؟
في رأيي… لا.
القوة الحقيقية ليست أن تتحول المرأة إلى نسخة أخرى من الرجل، وإنما أن تكون أفضل نسخة من نفسها.
لقد اختلط علينا مفهوم المساواة.
فالمساواة لا تعني التشابه.
ولا تعني إلغاء الفروق الفطرية.
ولا تعني أن يتحول الرجل إلى امرأة، أو تتحول المرأة إلى رجل.
المساواة الحقيقية هي أن تتساوى الكرامة الإنسانية، وأن تتكافأ الفرص، وأن يُحترم الإنسان لعلمه وعمله وأخلاقه، مع بقاء الاختلاف الذي جعله الله أساسًا للتكامل.
إن أخطر ما أفرزته الثقافة الحديثة هو تحويل العلاقة بين الرجل والمرأة إلى ساحة صراع.
أصبح الرجل بالنسبة للبعض خصمًا يجب هزيمته، وأصبحت المرأة بالنسبة للبعض الآخر منافسًا يجب كسره.
وضاعت الأسرة بين الفريقين.
ونسينا أن الله لم يخلق الرجل والمرأة ليتنافسا، وإنما ليتكاملا.
فالرجل يحمل من الصفات ما يعينه على القيادة وتحمل أعباء الحياة، والمرأة تحمل من الرحمة والاحتواء واللين ما يجعل الحياة أكثر استقرارًا وسكينة.
وهذا لا ينتقص من أحدهما، بل يمنح كلًا منهما جماله الخاص.
وللأسف، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الأزمة، فأصبحنا نرى محتوى يزرع الكراهية بين الجنسين، ويقيس قيمة الإنسان بقدرته على الانتصار على الطرف الآخر، لا بقدرته على بناء علاقة صحية ومتوازنة.
وأخشى أن تستيقظ أجيال كاملة وهي تظن أن الزواج معركة، وأن الأسرة مؤسسة للصراع، وأن الحب ضعف، وأن الرحمة تنازل.
ومن وجهة نظري، فإن المرأة القوية ليست صاحبة الصوت المرتفع، ولا الأكثر تحديًا، ولا التي تعلن كل يوم أنها لا تحتاج إلى رجل.
المرأة القوية هي التي تعرف قيمتها دون أن تنتقص من قيمة الرجل.
هي التي تنجح في عملها، وتحافظ على قلبها.
هي التي تمتلك عقلًا ناضجًا، وشخصية مستقلة، وروحًا رحيمة.
هي التي تستطيع أن تقول “لا” عند الحاجة، وأن تقول “أحتاج” دون خجل.
الأنوثة ليست ضعفًا.
الأنوثة ليست مكياجًا أو ثوبًا أنيقًا.
الأنوثة حالة نفسية وأخلاقية، فيها الرقة دون هشاشة، والحياء دون خوف، والرحمة دون استسلام، والحزم دون قسوة.
وكما أن الرجل يفقد جزءًا من رجولته عندما يتخلى عن الشهامة والمسؤولية والرحمة، فإن المرأة تفقد جزءًا من أنوثتها عندما تظن أن القسوة فضيلة، وأن الغلظة قوة، وأن التشبه بالرجل هو طريق النجاح.
أنا لا أدعو المرأة إلى ترك العمل، ولا إلى التخلي عن أحلامها، ولا إلى الانسحاب من المجتمع.
بل أدعوها إلى ألا تدفع ثمن نجاحها من روحها.
أن تنجح، ولكن دون أن تخسر قلبها.
أن تحقق طموحها، ولكن دون أن تدخل في حرب مع فطرتها.
أن تثق بنفسها، ولكن دون أن ترى الرجل خصمًا.
لقد أدركت بعد سنوات من الركض أن السعادة ليست في كثرة الإنجازات وحدها، وإنما في أن يعيش الإنسان منسجمًا مع فطرته التي خلقه الله عليها.
فقد تربحين منصبًا… وتخسرين سلامك الداخلي.
وقد تحققين شهرةً… لكن يظل قلبك يبحث عن الطمأنينة.
أما حين تتصالح المرأة مع أنوثتها، وتدرك أن قيمتها لا تُقاس بمدى تشبهها بالرجل، وإنما بمدى اكتمال شخصيتها، فإنها تكتشف أن النجاح يصبح أجمل، والحياة تصبح أهدأ، والعلاقات تصبح أكثر توازنًا.
فالمرأة لا تصبح عظيمة عندما تنافس الرجل في كل شيء، وإنما تصبح عظيمة عندما تدرك أن الله لم يخلقها لتكون نسخة من أحد، بل خلقها لتكون امرأة… بكل ما تحمله الكلمة من قوة، ورحمة، وحياء، ووعي، وأنوثة.

