“حين تغدو القراءة طقسا استعراضيا، وأوراق الكتب محض لفائف تحتضن المسكرات وأشلاء الأغذية، وحين يستشفّ المستقبل من خطوط الأكف ورواسب الفناجين، فاعلم أننا أمة أضاعت بوصلتها بين العلم والوهم، وبين الحبر والخرافة”.
في عصر تتسارع فيه إيقاعات الحياة وتغرق فيه العقول في زخم المظاهر، أصبح الفكر شبحًا غريبًا في ساحة الثقافة. باتت القراءة في بعض الأحيان مجرد طقس استعراضي، حيث يتعالى البعض بتفاخُر وهمي أمام الآخرين، محاولين إبراز أنفسهم كأهل معرفة بينما الحقيقة تتوارى خلف الأقنعة. في هذه الفوضى الفكرية، أصبحت الكتب ليست إلا زخارف تملأ الرفوف، يتراكب الغبار على صفحاتها دون أن تجد يدًا تمتد إليها أو عقلاً يعبُر بين سطورها.
وليس الأمر مقتصرًا على الكتب فقط، بل باتت أوراقها تتحول إلى لفائف لاحتضان المكسرات أو تغليف الأطعمة، في إهانة للمعرفة واستصغار لمحتوياتها. بل وأصبحت بعض الأيدي تمسك بفنجان، تبحث في رواسبه عن مستقبلٍ مجهول، أو تحاول أن تلتقط إشارات غامضة من خطوط الأكف كما لو كانت تقدم إجابات سريعة لمعضلات الحياة. وكأننا نبحث عن إجابات في الأماكن الأكثر سطحية، بينما نغفل عن أعماق العلم التي لا يُستشرف منها إلا بالكفاح والعمل الجاد.
إنها صورة تراجيدية تُمثل أمتنا في العصر الحديث، حيث التناقضات تتشابك بين ما نُظهره من مظاهر ثقافية وبين العدمية الفكرية التي تسكن في داخلنا. نُظهر للآخرين أن العلم بين أيدينا، بينما لا نعرف كيف نلتقطه أو نستخدمه في حياتنا. أمة تبحث عن إجاباتٍ سريعة في الأساطير والخرافات، بدلاً من السعي وراء الحقيقة في الكتب والدراسات الجادة.
لن تكون الطريق إلى الخلاص سهلة، فالأمر يتطلب منا ثورة ثقافية حقيقية تعيد الاعتبار للعلم، وتُحيي فينا قيمة المعرفة الصادقة التي لا تُقاس بالظهور ولا بالاستعراض. يجب أن نعود إلى جوهر القراءة، إلى البحث عن الحقيقة في النصوص التي تفتح أمامنا أبوابًا مغلقة وتفتح في عقولنا آفاقًا واسعة. فما لم نُغادر هذا الوهم، سنظل محكومين به، تتقاذفنا الرياح بين السراب والواقع.
إن العودة إلى سُبل العلم الحقيقية هي الحل الوحيد لتجاوز هذه التناقضات والظواهر التي تُثقل كاهل ثقافتنا. لا بد لنا من أن نعي أن المعرفة لا تقتصر على ما يُرى في الظاهر، بل في الأعماق التي تحتاج إلى تدقيقٍ وتأمل، في الأيدي التي تمتد إلى الكتاب لا لعرضه، بل لتغذيته بالجهد والإصرار. وفي النهاية، لا نكون أمةً حقيقية إلا حينما نغرس في أجيالنا قيمة العلم وصدق السعي وراءه، بعيدًا عن زيف الاستعراض وتسلط الوهم.
فدوى گدور ـالمغرب ـ


تعليق واحد على “الظاهرة الثقافية: بين الاستعراض والغياب العميق للمعرفة.”
ممتاز جدا بوركت أينما حللت