بقلم د. دعاء معاطي
يعرف الجميع صلاح جاهين الكاريكاتيري الذي تراقصت بخيوط قلمه الصور والأحداث، ويعلمون صلاح جاهين الذي أحيت كلماته المعارك ونادى الجميع فأتوا للمشاركة. إلا أن صلاح جاهين عاش بقلب لا يعرف الوسطية في المشاعر، يفرح فيُرهِق قلبه من شدة الفرح، ويحزن فيُرهِق قلبه من شدة الحزن. كان يعيش أدق تفاصيل الحياة بقلب عاشق وبكاء طفل في الثالثة من عمره.
لم يتحمل قلبه الحنون هذا التفاوت بين المشاعر. كان يفرح جدًا، وفي يوم سلم قلبه لحالة حزن كالعادة على أمل أن الأحداث ستأتي ويعود يرقص فرحًا، ولكنه في هذه المرة ظل سجين حزنه ولم يستطع الخروج. كانت أحزانه أسوارًا عالية، فدخل في نوبات اكتئاب لم يستطع أن يتجاوزها على الإطلاق.
هل كان صلاح جاهين يائسًا؟ لم يكن يائسًا، بل كان مؤمنًا مطمئنًا وراضيًا بنعم الله عليه. فجلس في نهاية حياته يتحدث مع ابنته سامية عن ربه قائلًا لها: “ربنا بنحبه ويحبنا، ويحبنا أكثر لما نحب بعضنا.”
لماذا تحدثت عن صلاح جاهين؟ لأن الحياة تتقلب بين يوم وليلة، ويجب ألا نُفرِط في الفرح جدًا فيتعود القلب عليه، ثم نذيقه الحزن فنفرط فيه، فيضعف القلب عن تجاوز أسوار الحزن وندخل في حالات اكتئاب مثل التي دخلها صلاح.
إن تذوقت الطعام مهما كان سيئًا، فاحمد نعمة الملح فيه لتراه عظيمًا. وإن فارقك كل البشر، فتذكر آدم يوم أن وُلد وحيدًا في هذا الكون وأحب ربه وعبده وشكره. وإن شعرت بضيق الكون، فتذكر أن هذا الكون أكبر بكثير من بطن أمك التي كان عالمك فيها لا يتعدى حبلًا سُريًا تتنفس وتأكل منه فقط.
ما أحدثكم عنه هو نعمة الرضا، لأن الاكتئاب قتل عظماء مثل صلاح جاهين وغيره ممن كانوا مؤمنين قطعًا، ولكنهم مرضى. الرضا هو الخلاص من كل اكتئاب، والوسطية في الفرح والحزن هي الحل.

