الطَّمُوحُ شُعُورٌ فِطْرِيٌّ بِدَاخِلِ الْإِنْسَانِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ دَافِعًا إِيجَابِيًّا يُضِيءُ حَيَاتَهُ أَوْ نَارًا تُحْرِقُ مَنْ حَوْلَهُ. الطَّمُوحُ الصَّحِيحُ هُوَ الَّذِي يُحَرِّكُ الْقُوَى الْكَامِنَةَ فِي عُقُولِنَا وَوِجْدَانِنَا لِتَحْقِيقِ الْأَفْضَلِ، سَوَاءً لِأَنْفُسِنَا أَوْ لِلْآخَرِينَ. لَكِنْ هُنَاكَ نَوْعٌ مِنَ الطَّمُوحِ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ إِلَى التَّصَرُّفِ بِطُرُقٍ قَدْ لَا تَحْظَى بِاحْتِرَامِ الْآخَرِينَ، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِـ “طَمُوحِ الْقَتْلِ”.
الطَّمُوحُ وَالْكِبْرِيَاءُ
الْمَجْدُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِاحْتِرَامِ الشَّخْصِ لِذَاتِهِ وَفَرْضِهِ عَلَى مَنْ حَوْلَهُ. هَذَا الْمَجْدُ هُوَ مَا قَصَدَهُ الْمُتَنَبِّي فِي بَيْتِهِ: “إِذَا قَرَّرْتَ أَنْ تَخُوضَ غِمَارَ الْمَجْدِ … فَالْمَوْتُ وَاحِدٌ فَلَا تَرْضَ بِمَنْقَصَةٍ”، دَاعِيًا إِلَى السَّعْيِ لِتَحْقِيقِ الْأَمْجَادِ الْعَظِيمَةِ وَالْأُمُورِ السَّامِيَةِ، بَدَلًا مِنَ الْمَوْتِ دُونَ تَحْقِيقِ أَيِّ شَيْءٍ ذِي قِيمَةٍ.
الْهِجْرَةُ: طَمُوحٌ أَمْ هُرُوبٌ؟
مِنَ الْمُلَاحَظِ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْخَاصِ يُسَيْطِرُ عَلَيْهِمْ طَمُوحٌ غَرِيبٌ يَدْفَعُهُمْ إِلَى الْهِجْرَةِ بِلَا عَوْدَةٍ، تَارِكِينَ وَرَاءَهُمْ أَهْلَهُمْ دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ. هُنَا يَكْمُنُ الْفَرْقُ بَيْنَ السَّفَرِ لِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ أَوْ طَلَبِ الرِّزْقِ، ثُمَّ الْعَوْدَةِ إِلَى الْوَطَنِ مُحَمَّلِينَ بِالْخَيْرِ وَالْعِلْمِ، وَهُوَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ”، وَبَيْنَ الْهِجْرَةِ لِمُجَرَّدِ الْهِجْرَةِ.
عِنْدَمَا سُئِلَ مَجْمُوعَةٌ مِنَ التَّلَامِيذِ عَنْ طَمُوحِهِمْ، أَجَابَ بَعْضُهُمْ: “أُهَاجِرُ”. وَعِنْدَمَا سُئِلُوا “أَيْنَ؟” وَ “لِمَاذَا؟”، كَانَ رَدُّهُمُ الشُّرُودَ وَالتَّفْكِيرَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الطَّمُوحِ قَدْ يَكُونُ نَارًا لَا يَعْرِفُ صَاحِبُهَا لِمَاذَا هُوَ مُهَاجِرٌ مِنَ الْأَسَاسِ.
الْهِجْرَةُ لَيْسَتْ طَمُوحًا، بَلْ قَدْ تَكُونُ دَمَارًا وَمَوْتًا تَدْرِيجِيًّا. فَأَنْ تَحْيَا بَعِيدًا عَنْ أَحْبَابِكَ وَتَمُوتَ بِلَا قَبْرٍ يَعْرِفُهُ أَقَارِبُكَ، هُوَ أَمْرٌ قَاسٍ. عَلَى النَّقِيضِ مِنْ ذَلِكَ، هُنَاكَ نَمَاذِجُ مِصْرِيَّةٌ مُشَرِّفَةٌ فَضَّلَتِ الْبَقَاءَ فِي أَرْضِهَا، مِثْلَ عَائِلَاتِ سَاوِيرِسْ وَ مَنْصُورْ، فَحَقَّقَتْ ثَرَوَاتٍ هَائِلَةً وَحَوَّلَتْ تُرَابَ الْوَطَنِ إِلَى ذَهَبٍ.
الْعِشْقُ لِلْوَطَنِ
مَا الَّذِي دَفَعَ الْعُلَمَاءَ الْمِصْرِيِّينَ الْكِبَارَ مِثْلَ الدُّكْتُورِ أَحْمَدْ زُوَيْلْ وَالدُّكْتُورِ مَجْدِي يَعْقُوبْ إِلَى الْعَوْدَةِ إِلَى مِصْرَ رَغْمَ نَجَاحِهِمْ فِي الْخَارِجِ؟ إِنَّهُ الْعِشْقُ وَالِانْتِمَاءُ لِتُرَابِ هَذَا الْوَطَنِ.
الْخُلَاصَةُ هِيَ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا شَاسِعًا بَيْنَ طَمُوحٍ يُحَوِّلُ أَرْضَ الْوَطَنِ إِلَى ذَهَبٍ، وَطَمُوحٍ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ إِلَى الْهِجْرَةِ بِلَا هَدَفٍ أَوْ عَوْدَةٍ.

