يعتقد الكثيرون حينما تضيق بهم السبل، أو يقع أحدهم في أزمة مالية، أو يتعرض لحادث آليم، أن ذلك علامة على غضب الله، أو “تخليص ذنوب” كما يشاع في الموروث الشعبي. ولكن المتأمل في حقيقة الوحيين (الكتاب والسنة) يجد وجهاً آخر تماماً؛ فالبلاء في حقيقته ليس دائماً سوط عذاب، بل قد يكون دثار رحمة وهدية ربانية مغلفة بالمشقة.
البلاء دليل على الاصطفاء
إن الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبداً، لم يتركه لغفلته، بل يبتليه ليرفعه. فالحادث الذي تنجو منه بكسر أو خسارة مادية، أو الأزمة التي تضيق بها أنفاسك، هي في الحقيقة “نداء استيقاظ” من الخالق لقلب العبد.
يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح:
> “إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرِّضا، ومن سخط فله السُّخط” (رواه الترمذي).
فهنا ربط صريح بين المحبة والابتلاء؛ فالله يبتلي ليُهذّب لا ليعذب، وليختبر الرضا في قلبك، فإذا رضيت، نلت من الله رضواناً يفوق حجم المصيبة بآلاف المرات.
لماذا يبتلينا الله ونحن نحبه؟
قد يسأل سائل: “لماذا أنا؟ ولماذا الآن؟”. الإجابة تكمن في ثلاثة محاور شرعية:
* رفعة الدرجات: قد تكون لك منزلة في الجنة لن تبلغها بصيامك وصلاتك، فيبتليك الله بما تكره حتى تبلغها بصبرك.
* تطهير النفس: الابتلاء يغسل العبد من خطاياه حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة، وهو خير من أن يُحاسب عليها يوم القيامة.
* صرف سوء أكبر: قد يكون الحادث الذي تراه “شرّاً” هو في الحقيقة دفع لمصيبة أعظم كانت ستودي بحياتك، ففداك الله بجزء من مالك أو ببدنك.
يقول الله تعالى في محكم تنزيله:
((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)) [البقرة: 155].
الأنبياء.. أشد الناس بلاءً
لو كان البلاء دليلاً على ذنب أو غضب، لكان الأنبياء أبعد الناس عنه، ولكن الحقيقة عكس ذلك تماماً. حين سُئل رسول الله ﷺ: أي الناس أشد بلاءً؟ قال:
> “الأَنبِيَاءُ ثُمَّ الأَمثَلُ فَالأَمثَلُ؛ فَيُبتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ…”
فمن نحن بجانب ابتلاء أيوب في جسده، ويوسف في سجنه، ومحمد ﷺ في فقده لأبنائه وأصحابه؟ لقد كان البلاء رفيق العظماء، وكان دائماً يتبعه تمكين وإشراق.
خاتمة: كيف نستقبل أقدار الله؟
إن المؤمن الفطن هو من يرى يد الله الرحيمة خلف الستار، فلا يسيء الظن بربه عند وقوع الحادث أو الأزمة. تذكر دائماً أن “الخيرة فيما اختاره الله”، وأن الوجع الذي تشعر به الآن هو ذاته الذي سيمسح خطاياك غداً.
فيا مَن مَررت بأزمة، ويا من أصابك حادث أو كدر: أبشر، فالله لم يبتلك ليهلكك، بل أحبّ أن يسمع صوتك وأنت تدعوه، وأراد أن يطهرك لتقابله بقلب سليم.
تم بحمد الله

