أنا لستُ كما تراني، ولا كما تختصرني نظرة عابرة أو حكم سريع. أنا عالمٌ كامل، تفاصيله لا تُحصى، وأعماقه لا تُدرك من الوهلة الأولى. أنا متحفٌ مليءٌ بالفنون، في كل زاويةٍ مني لوحة، وفي كل ركن حكاية، وفي كل صمتٍ صوتٌ لا يسمعه إلا من يُجيد الإنصات… لكن عيناك مغمضتان.
تمرّ بي كما يمرّ الغريب بمدينةٍ لا يعرف قيمتها، ترى الجدران ولا ترى ما عليها، وتلمح الملامح دون أن تقرأ ما خلفها. لا تدرك أن في داخلي ألوانًا لم تُكتشف بعد، ومشاعر لم تُروَ، وأحلامًا تنتظر من يفهمها لا من يتجاهلها. أنا لستُ سطحًا يُرى، بل عمقٌ يُفهم، ولستُ لحظةً عابرة، بل تاريخٌ من التجارب والمواقف التي صنعتني كما أنا.
كنتُ أظن أن الاقتراب كافٍ، وأن القرب سيكشف لك ما أخفيه من جمالٍ ومعنى، لكنني أدركت أن القلوب لا ترى إلا بقدر ما تريد أن ترى، وأن العيون، وإن كانت مفتوحة، قد تعجز عن الإبصار إن غاب عنها الاهتمام. فكم من شخصٍ نظر ولم يُبصر، وكم من روحٍ كانت واضحة لكنها لم تُفهم.
أنا لا ألومك لأنك لم ترَ، ولكنني أتساءل: كيف يمكن لمتحفٍ كامل أن يُختصر في نظرة؟ كيف يمكن لكل هذا الامتلاء أن يُقابل بكل هذا التجاهل؟ إنني لا أطلب الكثير، فقط بعض الانتباه، بعض التمهل، بعض الرغبة في الاكتشاف… فالأشياء الثمينة لا تُرى على عجل.
وفي كل مرة تُدير فيها وجهك، أزداد يقينًا أن المشكلة لم تكن يومًا في ما أحمله، بل في قدرتك على رؤيته. فالجمال لا ينقص حين يُتجاهل، والقيمة لا تقل حين لا تُقدَّر، بل تظل كما هي، تنتظر من يُدركها بحق.
وربما سيأتي يوم، تفتح فيه عينيك، لا لتراني أنا فقط، بل لترى كم فاتك من تفاصيل، وكم كان في القرب كنزٌ لم تلتفت إليه. يومها ستدرك أنني لم أكن عاديّة كما ظننت، بل كنتُ عالمًا كاملًا… متحفًا مليئًا بالفنون، لكن عينيك كانتا مغمضتين

