لم يكن الكتاب يومًا جمادًا يُصفّ على رفّ، ولارسائل ثقافية يتناقلها الناس في مواسم الفراغ ، كان وسيظل واحدًا من أعمق أصدقاء الإنسان، وأكثرهم صدقًا وثباتًا، وأشدّهم قدرة على حمل الروح إلى آفاق لا يبلغها خيال، ولا تطرقها قدما بشر. والسؤال الذي يُثار اليوم في صخب العالم الرقمي: هل ما زالت القراءة حيّة؟ أم أصبحت عادةً من زمنٍ مضى، تشبه أساطير الخيال وذكريات الطفولة التي تلاشت؟
الحقيقة أن الزمن لم يقتل القراءة، بل غيّر ملامحها. اختفى صوت الورق بين أيدٍ انشغلت بالشاشات، وتراجعت جلسات التأمل في سطور تهزّ الوجدان. لكن القارئ الحقيقي — ذاك الذي يتربّى قلبه على فضيلة المعرفة — لم يختفِ. ربما تراجع حضوره في هذا العالم الصاخب ، لكنه ما زال موجودًا بثبات المؤمن بفكرة خالدة: أن الكتاب لا يموت.
فالقراءة ليست عادة ثقافية عابرة، بل هي فعل عميق يعيد تشكيل العقل، ويهذّب الروح، ويخلق داخل الإنسان مساحة أخرى أكثر اتزانًا وأشبه بملاذٍ داخلي. وحين تتسارع الأيام، وتتحول المعرفة إلى “معلومة سريعة” و”خبر عابر”، يبقى القارئ هو الشخص الذي يختار أن يفتح نافذة مختلفة؛ نافذة يطلّ منها على الذات قبل أن يطلّ بها على العالم.
لقد صمد الكتاب أمام كل محاولات النسيان؛ صمد حين ظهر الراديو، ثم التلفاز، ثم الإنترنت، ثم مواقع التواصل. كل موجة ادعت أنها ستنهي حضوره… لكنها عبرت، وبقي الكتاب. والسبب بسيط: لأن الإنسان لا يستطيع أن يتخلى عن الصديق الذي يمنحه فهمًا أعمق لذاته، صديقًا لا يخذله، ولا يساومه، ولا يطالبه إلا بالهدوء والإنصات.
وما يذهل في عالم اليوم أن بعض الشباب — وسط الإغراء المتواصل للسرعة — عادوا يبحثون عن الكتاب. عادوا إلى المقاهي الثقافية، ونوادي القراءة، ومعارض الكتب التي تزداد ازدحامًا عامًا بعد عام. كأن جزءًا من الروح يرفض الاستسلام للشكل السريع للحياة، ويتمسك بالجذور القديمة التي تجعل الإنسان أكثر إنسانية.
فالكتاب ليس ورقًا، بل حياة كاملة:
هو الذي يمنحك لغة جديدة وأفقًا أوسع.
هو الذي يضعك أمام عقول مختلفة، ويوسّع داخلك مناطق لم تكن تعرف أنها موجودة.
وهو الصديق الذي يرافقك دون ازعاج، ويصاحبك دون ثقل، ويمنحك من دون مقابل.
يبقى السؤال: هل انتهى زمن القارئ؟
والإجابة — بكل يقين — لا.
فطالما وُجد إنسان يبحث عن معنى، فإن الكتاب سيبقى، والقراءة ستستمر، والصفحة البيضاء ستظل تنتظر كفًّا تلمسها، وعقلًا يفتح بابها، وقلبًا ينصت لما وراء الكلمات.

