يا صديقي، إنّ نفسك عزيزةٌ؛ فاحفظْ لها عزِّتها.
لا تترُكْها في أذًى على مَظنّة أن ذاك قدْرها أو قدَرها. و لا تَحبِكْ الأسبابَ التي تُسيغُ المُرَّ في قلبك. و لا تغُضَّ الطرفَ عن أنّة روحك على زعم أنَّ الحياة دارُ بلاءٍ و جوَى، و أنْ ليس لك إلا أن تقنع و ترضى. لا شفاعة للأذى، و لا قناعة فيه، و لا رِضًى به.
و إنَّ الحياة -نعم- دارُ بلاءٍ و تعبٍ و جوى، و لكن تعبها الحق ما كان لحق، و ما سواه هوانٌ منك. و إنما يستعبدك ضعفُك ليدَّعي قُوَّته، و يستنزفك نقصُك ليستلب شُبعَته.
و ما كلُّ صبرٍ فضيلة، و لا كلُّ احتمالٍ شرف؛ فبعض الصبر خذلانٌ للنفس، و بعض الاحتمال مشاركةٌ في الظلم، و بعض السكوت توقيعٌ على إذنٍ باستباحة القلب.
و اعلم أنَّ للنفس حُرمةً كحُرمة الجسد، و أنَّ الجراح إذا خفيت لم تكن أقلَّ نزفًا، و أنَّ ما تطيقه اليوم صبرًا قد يعود عليك غدًا علّةً لا تُداوى. فلا تُدرّب قلبك على الهوان، و لا تُعوّده أن يُصادق ما يؤذيه، فإن القلوب -يا صديقي- إذا ألفت القيد حسبته زينة.
و إن احترتَ في وصلٍ، فقد أجابتك حيرتُك. نِعمَ الوصل ما أكساكَ السكينةَ و خلَّصك من الحيرة و أغناكَ عن السؤال. و ما سواه نزفٌ منك و فيك. و ما سواه نَزغٌ مِن الضعف و حَوَجٌ من النقص.
و ليس كل من اقترب منك أهلًا لقلبك، و لا كل من لان حديثه صادق النية، و لا كل من أطال المكث راغبًا في روحك؛ فبعض القرب امتحان، و بعض المودة استدراج، و بعض الأنس باب خفيّ للفقد.
و إنك إن أمعَنتَ لوجدت على رأس كل بادرةٍ إشارةً، و في كل موقفٍ علامةً، حتى قَبَضات قلبك هي أجراسُ حيطةٍ أو قَرْع نذيرٍ.. فاستجِبْ لها، و لا تصُمَّ أسماعَك عنها.
فالقلب لا يُخطئ كثيرًا، و إن أخطأ فببراءة، و إن حذّر فبصدق، و إن ارتجف فاعلم أن في الطريق ما لا يليق بك.
و لا يسلِبك خوفُك مِن نُدرةِ الأحبّة مِن اليقين بجدارتك. كلنا مَرغوبون لمَن يأتنسُ بأرواحنا، جميلون في عيون الذين يحبوننا. و لا صِدقَ في رغبةِ أحدٍ بكَ و لا في حبه لكَ إلا إذا سبقهما أنه قد أبصرَ ما فيك من عواتمٍ، و ما يتناوب عليك من فصولٍ، ثُمّ أقبلَ عليك مأنوسًا بروحك، دون عُدُولٍ أو نفورٍ.
فمن أحبك صورةً خانك عند أول صدع، و من أحبك هيئةً تركك عند أول ذبول، و من أحبك شأنًا غاب عنك عند أول سقوط. أمّا من أحبك روحًا، فقد أحبك حيث لا تزول، و حيث لا تخون الملامح، و حيث لا يسقط المقام.
فانظُر على أيِّ قياسٍ تَزِنُ جاذبيّتك؛ أهو على شكلك، و شأنك؟ أم هو على رونق قلبك، و منطق فكرك، و سيمة روحك؟
أنا -يا صديقي- لا أخدعُكَ. أَعلمُ أكيدًا أنّ جمالَ الهيئة جاذِبٌ. لكنه يفترُ سريعًا إذا اقتربتَ فلم تلقَ مثيلَه في الروح. و أَعلمُ أنّ عُلوَّ الشأن لافِتٌ، لكنه يسقطُ صغيرًا إذا عاشَرتَ فوجدت ضِعَةً في القلب.
ستؤمِنُ حينها أنَّ أفْتنَ ملامِحك هي عِفّة قلبك، و أعلى منازلك هي خفّة روحك. و أن الراحة أبقى مِن اللذة، و أن السكينة رزق، و أن الطمأنينة علامة القَبول.
و على مَطلع كل طريقٍ، و خلفَ طرقةِ كل عابرٍ، توقَّف و تفقّد رغبتَك و جوابَ قلبك أولًا، فلا تخطُ خُطوةً إلا لِما تُحبُّ، و لا تفتح القلبَ إلا لمَن يستحق. و لا تُبالِ بسَيرِ الزحام، و لا بهَوس العوامِّ، و لا تقُلْ “مثلي كمثل الناس”، بل اِتْبَع حبَّك، و إن سِرتَ وحيدًا.
فالوحدة في طريق تحبّه أهون من صحبةٍ في دربٍ تكرهه، و الغربة مع نفسك أصدق من ألف أنسٍ وأنت غريب عنها.
تعلَّمْ -يا صديقي – مِمّا مضَى، و لا تنسَ يومًا حين تعثَّرت، فإنك إن نسيتَ فقد نسيتَ الدّرسَ الذي هو هَديَّة عثرتِك، و لربما تنعادُ عليك العثرةُ مِرارًا حتى تقبل هديَّتها.
فما أكثر الذين يشكون التكرار، و هم لم يفهموا الرسالة الأولى، و ما أكثر الذين يلعنون الحظ، و هم يكرّرون الاختيار نفسه بأسماء مختلفة و وجوه جديدة.
و اذكُر كم مِن عزيزٍ ودَّعكَ، و كم مِن عابرٍ هَجرَ وصالَك. و اذكُر كم مِن مُرادٍ تمنَّعَ عنك، و كم مِن شقاءٍ فجَعَ فؤادَك..
لا لتأسى، بل لتتعقّل. لا لتبكي، بل لتبصر. فكل وداع علّمك حدّك، و كل فقد عرّفك قيمتك، و كل حرمان نقّى رغبتك مما لا يليق بها.
و لا بأس.. تمضي الحياةُ.. و يُسلِينا الزمانُ.
ننسى كثيرًا، و نبرأ قليلًا، و ننجو أحيانًا، و نتعلّم دائمًا.
و إن لم تعطك الحياة ما تشتهي، فقد أعطتك ما تحتاج، و إن لم تُسرّك طرقها، فقد هذّبت خُطاك، و إن لم تُبقِ لك الأحبّة، فقد أبقت لك نفسك.
فاحفظها.
فما خُسِر في الدنيا شيءٌ أعظم من نفسٍ ضيّعتها بيدك.

