في أروقة معمل الترميم بالمتحف المصري، حيث ترقد كنوز الحضارة المصرية القديمة فى انتظار انامل فنان من أبناء هذه الأرض الطيبة يعيد اليها بريقها ورونقها لتعود لمجدها تبهر العالم بروعة الفن المصرى القديم الذى تحدى الزمن وجسد عظمة الأجداد
وقع ما لم يكن في الحسبان فجأة يختفى سوار فرعونى ذهبي نادر من العصر المتأخر للدولة الوسطى لطالما جاب العالم فى معارض خارجية كان فيها خير سفير لحضارتنا التى جذبت انظار العالم
وكان دائما جزءا من حدث عالمى ساهم فى الترويج للمقصد السياحى المصرى
لم تكن السرقة مجرد حادث عابر، بل صدمة هزت ضمير كل مصري غيور على تاريخ بلاده. اختفاء سوار أثري من معمل الترميم لم يكن مجرد فقدان لقطعة نادرة، بل كان جرحًا في قلب الهوية المصرية
المتحف المصرى هذا الصرح العظيم الذي يقف شامخا فى قلب القاهرة وأهم ميادينها والذى ظل لسنوات يفتح ابوابه لكل شغوف بالجمال والتاريخ والحضارة المصرية،
هذا المكان أصبح مسرحًا لجريمة دنيئة كشفت عن ضعف رقابي وفجوة أمنية لا تليق بمكانة هذا الصرح العالمى ( هذا إذا ثبت بالأدلة القاطعة صدق ما يتردد حول جريمة السرقة) .
لم يعد الأمر مقتصرًا على حراسة القاعات وصيانة المقتنيات
فجريمة كهذه تثبت أن الخطر قد يأتي من الداخل، حيث أمانة العمل و الأمان والمسؤولية .
لا يمكن أن نتجاهل أن هذه الجريمة النكراء تكشف عن جانب مظلم من النفس البشرية حالك السواد جانب وضع المادة فوق القيمة، والربح فوق التاريخ.
كيف يمكن لشخص يعمل في مكان بهذه القيمة المحلية والعالمية يتوافد اليه بشكل يومى بشر من كل جنسيات الارض بل وتمكنه طبيعة عمله ان يلمس بيده آثار الأجداد و يتعامل معها بكل دقة و حذر
هذه الأثار التى يراها الاخرون من خلف زجاج مانع للمس مهما سمت مكانتهم او علت مراكزهم
كيف له أن يخون ، أن يدور بخلده يوما ما بيع احدى هذه الكنوز بثمن بخس امام قيمتها مهما كان هذا الثمن ؟ إنه داء ضعف الضمير وفساد الذمم الذي ينخر في جسد المجتمع، ويجعل من التاريخ سلعة قابلة للمقايضة.
جريمة كبرى
هذه الجريمة ليست مجرد جريمة سرقة تتساوى مع اية جريمة أخرى بل هي خيانة وطن.
حتى لو تم القبض على المتهمين ومحاكمتهم و مهما كانت العقوبة التى ستوقع عليهم سيظل التساؤل الأهم يدور حول درجة تأمين هذه الأماكن ذات الاهمية و الخصوصية العالية هل هى كافية !!؟ هذه الحادثة يجب أن تكون جرس إنذار للسلطات المسؤولة عن المتاحف والمواقع الأثرية.
فلابد من إعادة النظر في كافة الإجراءات الأمنية والإدارية.
هل يكفي مجرد الاعتماد على أمانة الموظفين والعاملين فقط ؟ أم أن الحاجة باتت ملحة لتفعيل أنظمة رقابية صارمة، وتدابير تكنولوجية حديثة تراقب كل خطوة للمتعاملين مع هذه الكنوز و تتابع كل قطعة أثرية أينما ذهبت ؟
. لقد تم العبث بإرثنا الحضاري، و بصمة أجدادنا وللأسف ليست هذه الجريمة هى الأولى التى تخص قطاع الأثار لذا بات من الأهمية بمكان أن يتم التعامل مع هذه القضية بكل حزم، فالمسألة ليست مسألة عقوبة فردية، بل هي قضية حماية لثروة أمة .
إن صوت العقل والحكمة يقول على كل مصري شريف أن يكون حارسًا على تاريخ بلاده، وأن يدرك أن كل قطعة أثرية ليست مجرد حجر أو قطعة معدنية، بل هي جزء من هويته، بل جزء من كرامته.
فهل سنعى الدرس من هذه التجربة المريرة، و هل سنتمكن من حماية ما تبقى من كنوزنا، أم سنظل نعيش في غفلة من أمرنا لنفقد جزء من تاريخنا وحضارتنا لا يمكن تعويضه ولو بكنوز الارض

