بقلم : د. تامر عبد القادر عمار
يبقى خلق العفو عند المقدرة من أندر الفضائل وأعظمها، لأنه لا يصدر إلا عن نفس كبيرة، وقلب عامر بالحكمة، ووعي متجاوز لسطحية الانتقام.
فالعفو ليس ضعفًا، ولا تنازلًا عن الحقوق، بل هو تعبير راقٍ عن القوة الأخلاقية والسيطرة على النفس، وتجلٍّ نادر للرحمة الإنسانية التي تعلو فوق نزعات الغضب والتشفي.
إنه اختيار الأذكياء النبلاء… لا رد فعل العاجزين.
فهناك كثيرون يخلطون بين العدالة والانتقام، وبين الحقوق والإذلال، لكن الحقيقة أن العفو الحقيقي لا يُلغي العدالة، بل يُكمّلها بالرحمة.
فحين يتمكن المرء من الانتقام أو العقوبة، ثم يعفو، فهو يرتقي فوق الألم والأنانية، ويرسّخ قيماً إنسانية لا تزول.
وقد قرن الله تعالى في كتابه الكريم بين العفو والقوة، فقال:
“وأن تعفوا أقرب للتقوى…” [البقرة: 237]
وقال أيضًا:
“والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين” [آل عمران: 134]
وهنا تتضح قيمة العفو كخطوة تتجاوز الانفعال، وتصل إلى إحسان التعامل مع الضعف البشري، واستيعاب أخطاء الآخرين برؤية متزنة.
لذلك نجد أن كثيرون يملكون القدرة على الرد، لكن القليل من الناس يملكون قدرة “ضبط الرد”.
فمن السهل أن تُعاقب من أساء إليك، لكن من الصعب – بل من النادر – أن تعفو عنه عندما تكون قادرًا على معاقبته.
وهنا تتجلّى قيمة “العفو عند المقدرة” كقمة لا يصلها إلا أصحاب القلوب النقية، والعقول الراجحة، والضمائر الحية.
إنه موقف لا ينبع من ضعف، بل من وعي، ومن قراءة متعمقة لتأثير الرحمة في النفس الإنسانية، ولأثرها البعيد على العلاقات، والمجتمعات، ومستقبل التعايش.
اعلم عزيزي القارئ أن العفو ليس خلقًا فرديًا فقط، بل هو ركيزة من ركائز الاستقرار المجتمعي والسياسي.
فقد شهد التاريخ كيف أن قادة عظماء اختاروا العفو في أحلك اللحظات، وبهذا القرار البنّاء حافظوا على وحدة شعوبهم، وأغلقوا أبواب الفتنة، وفتحوا نوافذ الأمل.
ويكفي أن نستذكر ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، حينما قال لمن أخرجوه وحاربوه:
“اذهبوا فأنتم الطلقاء.”
تلك اللحظة لم تكن مجرد موقف ديني، بل درسٌ سياسي وإنساني بالغ التأثير، يؤكد أن العفو أحيانًا يصنع ما لا تصنعه المعارك، وأن الكلمة الطيبة قد تُغير مصير أمة.
في حياة الأفراد أيضًا، نحتاج إلى تذكير أنفسنا بأن العفو لا يُهين من يعفو، بل يُحرر قلبه من ثقل الكراهية، ويمنحه راحة لا تُشترى.
فالكراهية عبء، والغضب سمٌّ داخلي، والانتقام لا يُشفى به الوجدان كما يظن البعض.
حين تعفو، فإنك تُعلن أن قلبك أكبر من الجرح، وأنك تختار أن تمضي للأمام، لا أن تُقيم في مستنقع الأذى.
العفو ليس نسيانًا للخطأ، بل تجاوزًا ناضجًا له، من أجل حياة أنقى، ومستقبل أصفى.
كذلك إن بناء مؤسسات قوية لا يتحقق بالقوانين فقط، بل بثقافة أخلاقية تُرسِّخ قيم التسامح والاحترام والاحتواء.
حين تسود روح العفو في بيئات العمل، تتراجع الصراعات، وتزداد الإنتاجية، ويشعر كل فرد بقيمته ومكانته.
بل إن القادة الناجحين لا يُقاسون فقط بمدى حزمهم، بل بقدرتهم على احتواء الأخطاء، وتربية من أخطأ، لا كسره.
واخيراً فحين نتحدث عن “العفو عند المقدرة”، فنحن لا نُطالب بالتنازل عن الحق، بل نُناشد قلوبًا أن تترفع عن الأذى حين تكون في موقع القوة.
نحن نُعيد التذكير بأن الحياة أوسع من أن نحصرها في ردود أفعال آنية، وأن من يسامح أقوى ممن يُعاقب، لأنه اختار البناء لا الهدم، والضمير لا الغضب.
فلنجعل من العفو خُلقًا في تعاملاتنا، ومبدأ في بيوتنا، وسلوكًا في مجتمعاتنا.
ولنتذكر دومًا أن أعظم لحظات الإنسان… حين يملك القوة ولا يستخدمها، بل يضعها في خدمة الرحمة.
فالعفو عند المقدرة… هو عنوان الإنسان الحقيقي
د. تامر عبد القادر عمار
كاتب صحفي
خبير التسويق والتخطيط الاستراتيجي
مهتم بقضايات التنمية والعلاقات الانسانية

