ضمن الحوار الذي أجراه معي الأستاذ عطا درغام، ونُشر في عدد من الصحف، أتوقف في هذا الجزء عند بعض الأفكار التي تناولتها في مقالاتي، وما تقف خلفها من رؤى وتجارب وأسئلة إنسانية
المحور الثاني: البعد الاجتماعي والفجوة بين الأجيال (أسئلة حول “لقاء العقول” والأسرة)
1. في مقالك “لقاء العقول”، تحدثت عن فجوة الأجيال بين الآباء والأبناء؛ كيف يمكن للأباء الانتقال من دور “الموجّه الفارض للتبعية” إلى دور “المحاور الصديق” دون فقدان الهيبة التربوية؟
أن أعظم التحديات التي تواجه الأسرة في عصرنا ليست غياب الحب بين الآباء والأبناء، بل تغير لغة التعبير عن هذا الحب. فالآباء غالباً ما يحبون أبناءهم بصدق عميق، لكنهم في أحيان كثيرة يتحدثون معهم بلغة زمنهم هم، بينما يعيش الأبناء في عالم مختلف له مفرداته وأسئلته وتحدياته الجديدة. ومن هنا تبدأ الفجوة؛ ليس لأن أحد الطرفين لا يريد الآخر، بل لأن كلاً منهما يحاول الوصول إلى الآخر بالأداة الخطأ.
حين كتبت عن “لقاء العقول” كنت أبحث عن المساحة التي يمكن أن يلتقي فيها جيلان دون أن يشعر أحدهما بأنه مهدد أو ملغى. فالأسرة لا تُبنى فقط على سلطة الأب، ولا على حرية الابن المطلقة، وإنما على علاقة متوازنة يكون فيها الأب مرجعاً وحامياً، ويكون فيها الابن مسموعاً ومقدراً. فالهيبة التربوية لا تُفقد عندما نتحول إلى محاورين، بل تفقد عندما تصبح العلاقة قائمة على الخوف بدلاً من الاحترام.
هناك فرق كبير بين أن يكون الأب قائداً وبين أن يكون متسلطاً. القيادة الحقيقية لا تحتاج إلى رفع الصوت، ولا إلى فرض الرأي في كل التفاصيل، لأنها تستمد قوتها من الثقة والحضور والحكمة. أما السلطة التي تعتمد فقط على المنع والأوامر، فقد تحقق الطاعة المؤقتة، لكنها لا تبني إنساناً قادراً على اتخاذ القرار عندما يغيب الرقيب ، وأرى أن الانتقال من دور “الموجّه الفارض للتبعية” إلى دور “المحاور الصديق” لا يعني أن يتخلى الأب عن دوره، بل يعني أن يطوّر أدواته. فالصديق الحقيقي لا يعني المساواة الكاملة في الأدوار، وإنما يعني وجود مساحة من الاحترام المتبادل، والاستماع، ومحاولة فهم العالم الذي يعيش فيه الطرف الآخر. الأب الناجح ليس من يجعل أبناءه نسخة منه، بل من يساعدهم على أن يصبحوا أفضل نسخة من أنفسهم.
لقد تغيرت طبيعة المعرفة في هذا العصر؛ لم يعد الأب هو المصدر الوحيد للمعلومة، ولم يعد الابن يعيش العالم نفسه الذي عاشه والده. ولذلك فإن الحكمة اليوم ليست في أن يقول الأب: “أنا عشت أكثر، إذن أنا أعرف كل شيء”، وإنما في أن يقول: “أنا عشت أكثر، ولذلك أستطيع أن أساعدك على رؤية الطريق، لكنني أحتاج أيضاً أن أفهم عالمك”. هذه الجملة لا تقلل من مكانة الأب، بل ترفعها؛ لأنها تجعله إنساناً حكيماً لا مجرد صاحب أوامر.
لذلك فالأب الذي يستمع لا يفقد سلطته، بل يزيد تأثيره. فالابن الذي يشعر بأن صوته مسموع سيكون أكثر استعداداً لقبول النصيحة، بينما الابن الذي يشعر بأنه محاصر سيبحث عن إجابات خارج البيت، وربما في مصادر لا تحمل له الحكمة نفسها. وأحياناً لا يحتاج الأبناء إلى من يقدم لهم الحلول بقدر حاجتهم إلى من يمنحهم الشعور بأنهم مفهومون ، لكن الحوار لا يعني غياب الحدود. فكما أن القسوة تهدم العلاقة، فإن التساهل المطلق قد يربكها. التربية المتوازنة تحتاج إلى دفء وحزم في الوقت نفسه؛ قلب يحتضن، وعقل يوجّه، ومبادئ لا تتغير بتغير الظروف. فالأب ليس مطلوباً منه أن يكون صديقاً بالمعنى الذي يلغي دوره، بل صديقاً بالمعنى الذي يجعل أبناءه يثقون به قبل أن يخافوا منه.وأعتقد أن أعظم إرث يمكن أن يتركه الأب لأبنائه ليس قائمة من الأوامر والنواهي، بل طريقة في التفكير، ومنظومة من القيم، وذكريات يشعرون معها أن البيت كان المكان الذي وجدوا فيه الأمان والفهم. فالابن قد ينسى كثيراً مما قيل له، لكنه لا ينسى أبداً كيف جُعل يشعر داخل أسرته ، إن الفجوة بين الأجيال لا تتلاشى بأن ينتصر جيل على جيل، بل بأن يتعلم كل جيل لغة الآخر. فالآباء يملكون خبرة السنوات، والأبناء يملكون أسئلة المستقبل، وعندما يلتقي عمق التجربة مع حيوية الشباب، لا يكون الناتج مجرد علاقة أسرية أفضل، بل إنسان أكثر توازناً وقدرة على بناء مجتمع أكثر رحمة ووعياً.
2. شاركت في ملف موسع حول “استعادة تماسك الأسرة المصرية”؛ ما هي الخطوة العملية الأولى والملحة التي يجب أن تبدأ من داخل البيوت لمواجهة التفكك الأسري؟
أعتقد أن الحديث عن استعادة تماسك الأسرة يجب أن يبدأ من حقيقة بسيطة لكنها عميقة: أن الأسرة لا تتفكك فجأة، كما أنها لا تستعيد عافيتها بقرار واحد، وإنما هي كائن حي يتأثر بتراكم التفاصيل اليومية؛ بكلمة قاسية لم تُعالج، وبمسافة عاطفية لم ينتبه لها أحد، وبحوار غائب استُبدل بالصمت أو الانشغال.
ولهذا فإن الخطوة الأولى والملحّة التي يجب أن تبدأ من داخل البيوت ليست وضع قوانين جديدة، ولا البحث عن حلول خارجية فقط، وإنما استعادة ثقافة الحوار الحقيقي بين أفراد الأسرة. فقبل أن نبحث عن علاج التفكك، علينا أن نسأل: هل ما زال أفراد الأسرة يعرفون بعضهم بعضاً؟ هل ما زال الأب يعرف ما الذي يشغل قلب ابنه؟ وهل ما زالت الأم قادرة على قراءة صمت أبنائها؟ وهل يجد الأبناء في البيت مساحة آمنة للحديث دون خوف من الحكم عليهم؟
إن أخطر ما يهدد الأسرة اليوم ليس اختلاف وجهات النظر، فالاختلاف طبيعة بشرية، وإنما غياب المساحة التي يُعبَّر فيها عن هذا الاختلاف باحترام. كثير من البيوت لا تعاني من غياب الأشخاص، بل من غياب الحضور الحقيقي؛ الجميع موجودون جسدياً، لكن كل فرد يعيش في عالمه الخاص، خلف شاشة أو داخل صمته أو في دائرة اهتماماته المنفصلة.
وأرى أن إعادة بناء الأسرة تبدأ من إعادة اكتشاف قيمة الجلسة العائلية، ليس باعتبارها عادة اجتماعية، بل باعتبارها ضرورة إنسانية. أن يجلس أفراد الأسرة دون هواتف، ودون استعجال، ودون دور مسبق للمحاكمة أو إصدار الأحكام، فقط ليستمع كل إنسان إلى الآخر باعتباره روحاً لها احتياجات ومخاوف وأحلام. فالكثير من الأزمات التي تكبر داخل الأسرة كان يمكن احتواؤها لو وجد صاحبها أذناً صادقة تستمع إليه في الوقت المناسب.
كما أن الأسرة تحتاج إلى الانتقال من مفهوم “السيطرة” إلى مفهوم “الاحتواء”. فالأبناء في هذا العصر لا يبحثون فقط عن من يوجههم، بل عن من يفهمهم. والآباء لا يحتاجون إلى التخلي عن دورهم، بل إلى تطوير أدواتهم؛ فالحزم لا يتعارض مع الرحمة، والهيبة لا تتناقض مع القرب، والقيادة الحقيقية لا تُبنى بالخوف وإنما بالثقة.
إن الأسرة المتماسكة ليست الأسرة التي تخلو من المشكلات، فهذا أمر غير واقعي، وإنما هي الأسرة التي تمتلك القدرة على العودة إلى بعضها بعد كل خلاف. فالخلاف لا يهدم البيوت، ولكن العناد الطويل، وغياب الاعتذار، وتراكم الجروح الصامتة هي ما يحول الخلافات الصغيرة إلى مسافات يصعب عبورها.
وأعتقد أن أهم رسالة يجب أن تصل إلى كل بيت هي أن العلاقات الإنسانية تحتاج إلى صيانة كما تحتاج الأشياء الثمينة إلى عناية. لا يمكن أن نمنح العمل ساعات طويلة، والتكنولوجيا وقتاً لا ينتهي، ثم نتوقع أن تبقى الأسرة قوية دون استثمار في مشاعرها وروابطها.
استعادة تماسك الأسرة لا تبدأ من الخارج، بل من لحظة صادقة داخل كل بيت؛ لحظة يقرر فيها الإنسان أن يسمع قبل أن يحكم، وأن يفهم قبل أن ينتقد، وأن يختار بناء الجسور بدلاً من إقامة الحواجز. فالأسر لا يحميها الكمال، وإنما يحميها الحب الواعي، والحوار الصادق، والإرادة المشتركة بأن يبقى البيت مكاناً يعود إليه الإنسان ليجد الأمان لا مجرد مكان يسكنه.
3. “عصر السماوات المفتوحة والهواتف الذكية”؛ هل تعتقد أن التكنولوجيا بريئة من تفكك الأسرة وأن الأزمة تكمن في طريقة استخدامنا، أم أن المنصات صُممت أساساً لتعزلنا عن محيطنا الحقيقي؟
لا يمكن النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها الجاني الوحيد في أزمة العلاقات الأسرية، كما لا يمكن التعامل معها باعتبارها أداة محايدة تماماً لا تأثير لها. فالتكنولوجيا، مثل أي قوة حضارية كبرى، تحمل في داخلها وجهين متناقضين؛ فهي قادرة على أن تقرّب الإنسان من الآخرين، لكنها في الوقت ذاته قد تخلق عزلة عميقة إذا فقد الإنسان القدرة على استخدامها بوعي.
لقد منحتنا الهواتف الذكية عالماً مفتوحاً بلا حدود؛ أصبح الإنسان قادراً على التواصل مع من يبعدون عنه آلاف الكيلومترات، والوصول إلى المعرفة في لحظات، ومشاركة أفكاره وتجربته مع جمهور واسع. لكن المفارقة التي تستحق التأمل أن الوسيلة التي صُممت لتقريب البشر أصبحت في بعض الحالات سبباً في ابتعادهم عن أقرب الناس إليهم. فقد تجد عائلة تجلس تحت سقف واحد، لكن كل فرد يعيش في عالم رقمي منفصل، وكأن المسافات لم تعد تُقاس بالكيلومترات، بل بمقدار الحضور الحقيقي بين القلوب.
ومع ذلك، لا أرى أن المشكلة تكمن في التكنولوجيا وحدها؛ فالآلة لا تملك إرادة، وإنما الإنسان هو من يحدد موقعها في حياته. الهاتف لا يختار أن يعزل الأب عن أبنائه، ولا المنصة هي التي تمنع الحوار بين الزوجين، وإنما غياب الوعي بحدود الاستخدام هو ما يحول الأداة من وسيلة للتواصل إلى حاجز يفصل الإنسان عن محيطه ، لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض المنصات الرقمية بُنيت على نماذج تعتمد على جذب الانتباه وإبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة داخل عالمها الافتراضي. فهي تتنافس على وقت الإنسان وتركيزه، وتقدم له محتوى مصمماً وفق اهتماماته ورغباته، مما قد يدفعه تدريجياً إلى الانغماس في دائرة رقمية خاصة به، على حساب التفاعل الواقعي والعلاقات العميقة. وهنا تظهر مسؤولية الإنسان في ألا يتحول من مستخدم للتكنولوجيا إلى أسير لها.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود التكنولوجيا، بل في الفراغ الذي سمحنا لها أن تملأه. فعندما يغيب الحوار داخل الأسرة، وتضعف الروابط العاطفية، تصبح الشاشة بديلاً سهلاً عن التواصل. أما الأسرة التي تمتلك دفئها وحوارها واهتمامها المتبادل، فإنها قادرة على التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها أداة مساعدة لا بديلاً عن العلاقات الإنسانية.
لقد تغير شكل التواصل في عصرنا، لكن حاجة الإنسان إلى القرب لم تتغير. فما زال الإنسان يحتاج إلى نظرة عين يفهم منها مشاعر من أمامه، وإلى جلسة حقيقية يشعر فيها بأنه مسموع ومهم، وإلى علاقة لا تختصرها صورة أو رسالة أو إعجاب إلكتروني. فالتواصل الإنساني العميق لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بعدد القلوب التي نشعر معها أننا لسنا وحدنا.
ولذلك فإن المعركة ليست بين الإنسان والتكنولوجيا، بل بين الوعي والإفراط، بين الاستخدام المتزن والاستسلام الكامل. فالأسرة الحديثة لا تحتاج إلى أن تهرب من العصر الرقمي، وإنما تحتاج إلى أن تعيد تعريف مكان التكنولوجيا داخل حياتها؛ بحيث تبقى وسيلة تخدم الإنسان، لا قوة تعيد تشكيل علاقاته وتحدد مقدار قربه ممن يحب.
إن التحدي الأكبر أمام الأجيال الجديدة ليس أن تتعلم كيف تستخدم التكنولوجيا، فقد أتقنت ذلك بالفعل، وإنما أن تتعلم كيف تحافظ على إنسانيتها في ظل هذا التدفق الهائل من العالم الافتراضي. فالمستقبل لن يكون لمن يرفض التكنولوجيا، ولا لمن يذوب فيها، بل لمن ينجح في تحقيق التوازن بين ذكاء الآلة ودفء الإنسان.
4. يشتكي الكثير من الشباب من عدم فهم الآباء للغتهم وطموحاتهم؛ ما هي الرسالة التي توجّهها للشباب ليتقدموا خطوة نحو بناء جسر الحوار مع عائلاتهم؟
أرى أن أكثر ما يحتاج إليه الشباب اليوم ليس فقط أن يسمعهم الآخرون، بل أن يتعلموا أيضاً كيف يجعلون الآخرين قادرين على سماعهم. فالحوار الحقيقي لا يبدأ من مطالبة الطرف الآخر بأن يفهمنا، وإنما يبدأ من قدرتنا على الاقتراب منه بلغة يفهمها، وبقلب لا يدخل الحوار وهو يحمل حكماً مسبقاً.
كثير من الشباب يشعرون بأن آباءهم لا يدركون عالمهم، وهذا الشعور مفهوم؛ لأن كل جيل يتشكل داخل ظروف مختلفة. فالآباء عاشوا زمناً كانت فيه الخبرة تُكتسب من التجربة المباشرة، بينما يعيش الأبناء في عصر تتدفق فيه المعرفة من مصادر متعددة، وتظهر فيه طموحات ومهن وأفكار لم تكن موجودة من قبل. لكن اختلاف الزمن لا يعني بالضرورة استحالة التفاهم، وإنما يعني أن الطريق يحتاج إلى مزيد من الصبر والوعي.
رسالتي للشباب هي: لا تجعلوا اختلافكم مع آبائكم يتحول إلى قطيعة معهم. فخلف كثير من المواقف التي تبدو لكم رفضاً أو تشدداً، هناك خوف نابع من الحب، وتجارب جعلتهم يرون الحياة بطريقة مختلفة. قد لا يمتلك الآباء دائماً الأدوات المناسبة لفهم لغة العصر، لكن هذا لا يعني أنهم لا يريدون الخير لأبنائهم.
عليكم أن تدركوا أن بناء الجسر لا يكون بالوقوف على ضفة وانتظار الطرف الآخر ليعبر، بل بأن يخطو كل طرف خطوة نحو الآخر. تحدثوا مع آبائكم لا عن أحلامكم فقط، بل عن الطريق الذي ستسلكونه لتحقيقها. فالآباء غالباً لا يخافون من الطموح، وإنما يخافون من المجهول، وعندما يرون من أبنائهم وعياً ومسؤولية، يتحول القلق إلى ثقة ، كما أن من النضج أن يفرق الشباب بين النقد والرفض؛ فقد يعترض الأب على فكرة معينة ليس لأنه يرفض ابنه، بل لأنه يحاول حمايته وفق خبرته ورؤيته. وهنا يأتي دور الابن الواعي الذي لا يرد على الاختلاف بالتمرد، ولا على النصيحة بالرفض، وإنما يحاول أن يشرح ويقنع ويمنح العلاقة فرصة للنمو.
وفي المقابل، على الشباب ألا يشعروا بأن احترامهم لآبائهم يعني التخلي عن شخصياتهم أو أحلامهم. فالاستقلال الحقيقي لا يعني إدارة الظهر للجذور، بل القدرة على أن تنمو وأنت تحمل قيم من سبقوك، وتضيف إليها رؤيتك الخاصة. فالإنسان القوي ليس من يقطع صلته بماضيه، بل من يعرف كيف يبني مستقبله دون أن يفقد امتداده الإنساني.
إن أجمل ما يمكن أن يقدمه الشباب لعائلاتهم هو أن يكونوا جسراً بين الماضي والمستقبل؛ يحملون طموح العصر، ويحفظون حكمة التجربة. فالآباء ليسوا أعداء للأحلام، والأبناء ليسوا تمرداً على القيم، وإنما الطرفان شريكان في صناعة حياة أفضل إذا اختارا الفهم بدلاً من المواجهة.
إن العلاقة بين الآباء والأبناء لا تحتاج إلى منتصر ومهزوم، بل تحتاج إلى قلوب أكثر استعداداً للاستماع. فالكلمة التي تُقال بحب تصل إلى مكان لا تصل إليه أقوى الحجج، والحوار الصادق قادر على أن يحول الاختلاف من جدار يفصل بين الأجيال إلى نافذة يرى من خلالها كل جيل جمال الآخر واحتياجه الإنساني.
5. كيف يسهم غياب “الحوار العاقل والإنصات المتبادل” في خلق مجتمع يعاني من العنف اللفظي والصدام المستمر في الفضاء الإلكتروني؟
أصبحنا نعيش في زمن لم تعد فيه الكلمة تحتاج إلى منبر كبير حتى تصل إلى الآخرين؛ فبضغطة واحدة يمكن للإنسان أن يخاطب الآلاف، ويعبّر عن غضبه أو رأيه أو اعتراضه أمام جمهور واسع. وهذه القوة الجديدة في التعبير تحمل جانباً إيجابياً عظيماً، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن أزمة أعمق من مجرد سوء استخدام التكنولوجيا؛ إنها أزمة في ثقافة الحوار نفسها.
إن غياب الحوار العاقل والإنصات المتبادل لا يؤدي فقط إلى ضعف العلاقات بين الأفراد، بل يخلق مجتمعاً يفقد القدرة على الاختلاف الناضج. فعندما لا يتعلم الإنسان أن يستمع قبل أن يرد، وأن يفهم قبل أن يحكم، يتحول الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى صراع، وتتحول الآراء إلى معارك شخصية، ويصبح الهدف من النقاش ليس الوصول إلى الحقيقة، وإنما إثبات أن الطرف الآخر مخطئ.
ولعل أخطر ما يحدث في الفضاء الإلكتروني أن المسافة بين الإنسان وكلماته أصبحت كبيرة؛ فالكثيرون يكتبون ما لا يجرؤون على قوله وجهاً لوجه، لأن غياب المواجهة المباشرة يضعف الإحساس بمسؤولية الكلمة. وقد ننسى أحياناً أن خلف كل حساب شخصاً له مشاعر وكرامة وتجارب، فنمارس القسوة على الشاشة بطريقة قد لا نمارسها في الحياة الواقعية.
المشكلة ليست في اختلاف الناس، فالاختلاف كان دائماً جزءاً من طبيعة المجتمعات الحية، بل إن المجتمعات التي لا تختلف هي مجتمعات فقدت قدرتها على التفكير. الأزمة الحقيقية تبدأ عندما نفتقد أدوات إدارة الاختلاف؛ فعندما يغيب العقل يحضر الانفعال، وعندما يغيب الإنصات يحضر الحكم المسبق، وعندما يغيب الاحترام يصبح الحوار مجرد ساحة لتبادل الاتهامات.
لقد أصبحنا بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم القوة في النقاش. فالقوي ليس من يملك القدرة على إسكات الآخرين، ولا من يوجه أقسى العبارات، وإنما من يمتلك القدرة على ضبط نفسه واحترام من يختلف معه. فالهدوء ليس ضعفاً، والاستماع ليس تنازلاً، والاعتراف بإمكانية الخطأ ليس نقصاً في الشخصية، بل علامة على النضج الفكري والإنساني.
كما أن الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية تتحمل دوراً أساسياً في بناء هذه الثقافة؛ لأن مهارة الحوار لا تولد مكتملة، وإنما تُكتسب بالتدريب والممارسة. الطفل الذي يتعلم أن صوته مسموع داخل أسرته، وأن الاختلاف لا يعني فقدان المحبة، سيكون أكثر قدرة على احترام الآخرين عندما يكبر. أما الإنسان الذي نشأ في بيئة لا تعرف إلا الأمر والرفض والصراع، فقد يحمل هذا النمط معه إلى المجتمع والفضاء الرقمي.
وفي تقديري، فإن العالم الافتراضي لم يصنع العنف اللفظي من العدم، لكنه منح بعض السلوكيات مساحة أكبر للظهور والانتشار. فالأدوات الرقمية كشفت ما نحمله بداخلنا؛ فإذا حمل الإنسان وعياً واحتراماً أصبحت التكنولوجيا وسيلة للبناء، وإذا حمل غضباً وتعصباً أصبحت منصة لتوسيع دائرة الصدام.
نحن بحاجة اليوم إلى أن نعيد الاعتبار لفن الاستماع، لأن المجتمعات لا تنهار فقط عندما تختلف، بل عندما تفقد القدرة على الإصغاء لبعضها. فالكلمة قد تكون جسراً يعبر عليه الناس نحو الفهم، وقد تكون حجراً يُلقى في طريق التعايش. والمسؤولية ليست في أن نملك حق التعبير فقط، بل في أن نمتلك أيضاً حكمة التعبير.
إن بناء مجتمع أكثر هدوءاً لا يبدأ من المنصات الرقمية، بل من الإنسان نفسه؛ من قدرته على تهذيب غضبه، واحترام اختلاف الآخرين، وإدراك أن خلف كل رأي إنساناً له قصة وظروف وتجارب. فعندما يصبح الحوار وسيلة للفهم لا للانتصار، يصبح الاختلاف فرصة للنمو، لا سبباً جديداً للانقسام.
