رئيس مجلس الادارة د. عبدالهادي الكناني
رئيس التحرير
ا/ مصطفى فتحي
🔥الأحدث
تهنئة الى عمالقة الأخبار نيوزولد الهدى .. فأشرقت الانسانيةمحافظ الدقهلية يشارك في مجلس أمناء جامعة المنصورة الأهلية ويشيد بإنجازات 100 يومالصبروط يلتقي مسئولي الإدارات لبحث المشروعات وخطط التطويرشباب ورياضة الجيزة تستضيف “الأوقاف والأزهر الشريف” في تدشين مبادرة ولد الهدى في عامها الثالث..ما وراء المقال – الجزء الأولتهنئة الى عمالقة الأخبار نيوزولد الهدى .. فأشرقت الانسانيةمحافظ الدقهلية يشارك في مجلس أمناء جامعة المنصورة الأهلية ويشيد بإنجازات 100 يومالصبروط يلتقي مسئولي الإدارات لبحث المشروعات وخطط التطويرشباب ورياضة الجيزة تستضيف “الأوقاف والأزهر الشريف” في تدشين مبادرة ولد الهدى في عامها الثالث..ما وراء المقال – الجزء الأولتهنئة الى عمالقة الأخبار نيوزولد الهدى .. فأشرقت الانسانيةمحافظ الدقهلية يشارك في مجلس أمناء جامعة المنصورة الأهلية ويشيد بإنجازات 100 يومالصبروط يلتقي مسئولي الإدارات لبحث المشروعات وخطط التطويرشباب ورياضة الجيزة تستضيف “الأوقاف والأزهر الشريف” في تدشين مبادرة ولد الهدى في عامها الثالث..ما وراء المقال – الجزء الأولتهنئة الى عمالقة الأخبار نيوزولد الهدى .. فأشرقت الانسانيةمحافظ الدقهلية يشارك في مجلس أمناء جامعة المنصورة الأهلية ويشيد بإنجازات 100 يومالصبروط يلتقي مسئولي الإدارات لبحث المشروعات وخطط التطويرشباب ورياضة الجيزة تستضيف “الأوقاف والأزهر الشريف” في تدشين مبادرة ولد الهدى في عامها الثالث..ما وراء المقال – الجزء الأول
🔥الأحدث
تهنئة الى عمالقة الأخبار نيوزولد الهدى .. فأشرقت الانسانيةمحافظ الدقهلية يشارك في مجلس أمناء جامعة المنصورة الأهلية ويشيد بإنجازات 100 يومالصبروط يلتقي مسئولي الإدارات لبحث المشروعات وخطط التطويرشباب ورياضة الجيزة تستضيف “الأوقاف والأزهر الشريف” في تدشين مبادرة ولد الهدى في عامها الثالث..ما وراء المقال – الجزء الأولتهنئة الى عمالقة الأخبار نيوزولد الهدى .. فأشرقت الانسانيةمحافظ الدقهلية يشارك في مجلس أمناء جامعة المنصورة الأهلية ويشيد بإنجازات 100 يومالصبروط يلتقي مسئولي الإدارات لبحث المشروعات وخطط التطويرشباب ورياضة الجيزة تستضيف “الأوقاف والأزهر الشريف” في تدشين مبادرة ولد الهدى في عامها الثالث..ما وراء المقال – الجزء الأولتهنئة الى عمالقة الأخبار نيوزولد الهدى .. فأشرقت الانسانيةمحافظ الدقهلية يشارك في مجلس أمناء جامعة المنصورة الأهلية ويشيد بإنجازات 100 يومالصبروط يلتقي مسئولي الإدارات لبحث المشروعات وخطط التطويرشباب ورياضة الجيزة تستضيف “الأوقاف والأزهر الشريف” في تدشين مبادرة ولد الهدى في عامها الثالث..ما وراء المقال – الجزء الأولتهنئة الى عمالقة الأخبار نيوزولد الهدى .. فأشرقت الانسانيةمحافظ الدقهلية يشارك في مجلس أمناء جامعة المنصورة الأهلية ويشيد بإنجازات 100 يومالصبروط يلتقي مسئولي الإدارات لبحث المشروعات وخطط التطويرشباب ورياضة الجيزة تستضيف “الأوقاف والأزهر الشريف” في تدشين مبادرة ولد الهدى في عامها الثالث..ما وراء المقال – الجزء الأول
مقالات

ما وراء المقال – الجزء الأول

مشاركة فيسبوك
مشاركة واتساب
مشاركة تويتر
ضمن الحوار الذي أجراه معي الأستاذ عطا درغام، ونُشر في عدد من الصحف، أتوقف في هذا الجزء عند بعض الأفكار التي تناولتها في مقالاتي، وما تقف خلفها من رؤى وتجارب وأسئلة إنسانية.
المحور الأول: فكرة المقال الفلسفي والوجداني (أسئلة حول “قرار الحب” و”صلاحية إنسان”)
1. في مقالك “قرار الحب”، نقلت الحب من حيز الاندفاع العاطفي العابر إلى حيز القرار الواعي؛ متى ينضج وعي الإنسان ليدرك أن الحب “مسؤولية وعقل” وليس مجرد “مشاعر”؟
في حقيقة الامر انا أؤمن أن الإنسان لا يدرك حقيقة الحب إلا عندما يكتشف حدود المشاعر وحدها. ففي البدايات، نظن أن الحب ومضة انفعال، أو نشوة لقاء، أو انجذاب يفرض نفسه على القلب، لكن الحياة ـ وهي المعلم الأكثر صرامة ـ تكشف لنا أن المشاعر مهما بلغت قوتها تظل متغيرة بطبيعتها؛ فهي ترتفع وتهدأ، تقوى وتضعف، بينما العلاقات التي تصمد عبر الزمن لا تبنى على ما يتقلب، وإنما على ما يثبت.
من هنا جاءت فكرة “قرار الحب”. لم أرد أن أنتزع من الحب دفئه الإنساني، بل أردت أن أحرره من الوهم الذي صوّره وكأنه مجرد حالة شعورية عابرة. فالحب الحقيقي، في نظري، يبدأ عندما تنتهي مرحلة الانبهار، ويبدأ الإنسان في اتخاذ قرار واعٍ بأن يبقى، وأن يتحمل، وأن يغفر، وأن يصون، وأن يواصل الطريق حتى في الأيام التي لا تكون فيها المشاعر في ذروتها.
إن نضج الإنسان لا يقاس بعمره، بل بلحظة إدراكه أن القلب وحده لا يبني بيتاً، وأن العاطفة وحدها لا تربي أسرة، وأن الاندفاع وحده لا يحمي علاقة من عواصف الحياة. تلك اللحظة الفاصلة هي التي يتحول فيها الحب من إحساس إلى التزام، ومن رغبة إلى مسؤولية، ومن أمنية جميلة إلى مشروع حياة.
ولعل أخطر ما تروّجه الثقافة المعاصرة أنها جعلت الحب مرهوناً باستمرار الشعور، فإذا خفت وهجه ظن الناس أن الحب انتهى، بينما الحقيقة أن المشاعر تشبه الفصول؛ تتبدل بطبيعتها، أما القرار فهو الجذر الذي يبقي الشجرة حية مهما تبدلت الفصول. ولهذا نجد أن أنجح العلاقات ليست تلك التي لم تعرف الفتور، وإنما تلك التي امتلك أصحابها الشجاعة ليقولوا: سنحافظ على ما بيننا، حتى عندما يصبح الطريق أكثر صعوبة.
وأعتقد أن أعظم أشكال الحب ليس أن تجد من يثير مشاعرك، بل أن تختار كل يوم أن تكون جديراً بمن تحب، وأن تجعل وجودك في حياته مصدراً للأمان لا للقلق، وللاستقرار لا للفوضى، وللنمو لا للاستنزاف. هنا فقط يغادر الحب مرحلة الانفعال، ويدخل مرحلة الحضارة الإنسانية؛ لأنه يصبح قيمة أخلاقية قبل أن يكون حالة وجدانية.
لهذا كتبت أن الحب قرار، لأن القرارات هي التي تصنع مصائر البشر، أما المشاعر فهي الوقود الذي يمنح الرحلة دفئها، لكنها ليست من يمسك بالمقود. ومن ينجح في التمييز بين الاثنين، يكون قد بلغ من النضج ما يجعله قادراً على أن يحب بحق، لا أن يعيش مجرد تجربة عاطفية عابرة.
2. كتبت في مقال “صلاحية إنسان” أن “أحياناً ليست كل النهايات لابد وأن تكون صاخبة”؛ هل الصمت والانسحاب الهادئ هو قمة النضج الإنساني، أم أنه نوع من الخذلان المبطن؟
أعتقد أن أكثر ما يربك الإنسان هو اعتقاده أن كل نهاية يجب أن تُعلن بصوتٍ عالٍ، وأن كل انسحاب يحتاج إلى معركة أخيرة أو كلمات قاسية أو انتصار معنوي يثبت من خلالها أنه كان على حق. لكن الحياة، بعد أن تُهذّبنا بتجاربها، تعلمنا حقيقة مختلفة تماماً؛ فبعض النهايات لا تحتاج إلى صراخ، لأنها قالت كل شيء قبل أن تنطق بكلمة واحدة.
حين كتبت في مقال “صلاحية إنسان” أن “أحياناً ليست كل النهايات لابد وأن تكون صاخبة”، كنت أحاول أن ألفت الانتباه إلى قيمة إنسانية غابت في زمن أصبحت فيه الضوضاء دليلاً على القوة، بينما الهدوء يُفسَّر أحياناً على أنه ضعف. والحقيقة أن الصمت ليس فضيلة في ذاته، كما أن الكلام ليس شجاعة في ذاته؛ فالقيمة الأخلاقية لكل منهما تتحدد بالغاية التي يخدمها.
إذا كان الصمت هروباً من مواجهة واجبة، أو خوفاً من قول الحقيقة، أو تخلياً عن مسؤولية أخلاقية، فهو بلا شك خذلان مقنّع، وربما يكون أشد قسوة من الكلمات الجارحة. أما إذا جاء بعد أن استنفد الإنسان كل وسائل الفهم، والحوار، والإصلاح، وأدرك أن البقاء لن يضيف إلا مزيداً من الاستنزاف، فإن الانسحاب الهادئ يصبح احتراماً للنفس قبل أن يكون موقفاً من الآخر.
لقد تعلمت أن النضج الحقيقي لا يعني أن تنتصر في كل معركة، بل أن تعرف أي المعارك لا تستحق أن تخوضها أصلاً. فهناك علاقات يصبح فيها الجدل تكراراً للألم، وتصبح الكلمات مجرد إعادة إنتاج لخيبة قديمة، وهنا لا يكون الرحيل إعلان هزيمة، بل إعلان وعي. لأن الإنسان الناضج لا يغادر انتقاماً، ولا يبقى خوفاً، وإنما يختار ما يحفظ كرامته وسلامه الداخلي.
وأرى أن أجمل صور النضج الإنساني هي أن تغادر دون أن تلوث ذاكرتك وذاكرة الآخرين بالكراهية. أن تدرك أن انتهاء العلاقة لا يلغي ما كان فيها من خير، وأن الاختلاف لا يبرر الإساءة، وأن الكرامة ليست في آخر كلمة تقولها، بل في آخر أثر تتركه.
ولهذا فإنني لا أقدّس الصمت، ولا أمجّد الانسحاب، وإنما أمجّد الحكمة التي تعرف متى يكون الكلام واجباً، ومتى يصبح الصمت أبلغ من آلاف العبارات. فليس كل من بقي كان وفياً، وليس كل من رحل كان خائناً، وإنما المعيار الحقيقي هو: هل غادرت لأنك هربت من مسؤوليتك، أم لأنك أدركت أن الحفاظ على إنسانيتك أسمى من الانتصار في معركة خاسرة؟
وفي النهاية، المعتقد الذي لدي أن الإنسان لا يُقاس بطريقة دخوله إلى حياة الآخرين، بل بطريقة خروجه منها. فهناك من يغادر ويترك خلفه وجعاً طويلاً، وهناك من يرحل في هدوء، لكنه يترك درساً في الرقي لا تمحوه السنوات.
3. ما الذي يقود الإنسان للوصول إلى مرحلة “انتهاء الصلاحية” في قلوب الآخرين؟ وكيف يمكن للمرء أن يحمي صلاحيته الإنسانية من التآكل في علاقاته اليومية؟
أعتقد أن أخطر ما يصيب الإنسان ليس أن يخسر مكانته في قلوب الآخرين، بل أن يفقد وعيه بالأسباب التي أوصلته إلى تلك اللحظة. فنحن كثيراً ما نربط عبارة “انتهاء الصلاحية” بالخيانة أو الخطأ الكبير، بينما الواقع أكثر تعقيداً؛ إذ إن أغلب العلاقات لا تموت بضربة واحدة، وإنما تتآكل بصمت، كما يتآكل الصخر بقطرات الماء المتتابعة. ليست الصدمة الواحدة هي التي تُسقط الجدار، بل الشقوق الصغيرة التي أهملنا ترميمها حتى أصبح السقوط حتمياً.
في مقالي “صلاحية إنسان” لم أقصد أن الإنسان يصبح سلعة لها تاريخ انتهاء، وإنما أردت أن ألفت الانتباه إلى أن القلوب أيضاً لها قدرة محدودة على الاحتمال. فحين يتكرر الكذب، ويُستهان بالمشاعر، وتغيب المروءة، ويصبح الاعتذار موسماً نادراً، ويتحول الوفاء إلى استثناء، يبدأ الرصيد الإنساني في النفاد، حتى يصل الإنسان إلى لحظة لا يكرهه فيها الآخر، لكنه لم يعد يثق به، ولا يطمئن إلى حضوره، ولا يفتقد غيابه. وهذه، في تقديري، هي أكثر النهايات إيلاماً؛ لأن العلاقات لا تنتهي دائماً بالعداء، بل قد تنتهي باللامبالاة، واللامبالاة هي الصمت الأخير للقلب.
ولذلك أرى أن الصلاحية الإنسانية لا يحفظها الذكاء، ولا المكانة الاجتماعية، ولا كثرة الإنجازات، وإنما تحفظها الأخلاق في تفاصيلها اليومية. أن تكون صادقاً عندما يكون الكذب أسهل، وأن تحفظ الأسرار عندما يصبح كشفها مغرياً، وأن تفي بوعدك عندما لا يراقبك أحد، وأن تمنح الاحترام حتى لمن اختلفت معه. فالناس قد تنسى ما قلته، وقد تنسى ما قدمته، لكنها نادراً ما تنسى الإحساس الذي تركته في أرواحها.
وأؤمن أن الإنسان لا يحتاج كل يوم إلى إنجاز عظيم ليحافظ على مكانته في القلوب، بل يحتاج إلى ثبات في القيم. فالعلاقات لا تنهار بسبب غياب المواقف البطولية، وإنما بسبب غياب الصدق في المواقف الصغيرة؛ كلمة قاسية لا داعي لها، تجاهل متكرر، وعد لا يُوفى، اهتمام يتراجع دون تفسير، أو حضور أصبح شكلياً بلا روح. هذه التفاصيل التي نظنها عابرة هي في الحقيقة ما يبني الثقة أو يهدمها.
ومن أجمل ما علمتني إياه الحياة أن تحافظ على صلاحيتك الإنسانية قبل أن تحافظ على صورتك أمام الناس. فالصورة يمكن تزيينها، أما الجوهر فلا ينجو إلا بالصدق. إننا نعيش زمناً أصبح فيه كثيرون يجتهدون في إدارة انطباعات الآخرين عنهم، أكثر من اجتهادهم في تهذيب أنفسهم. لكن القلوب أكثر بصيرة مما نظن؛ فهي قد تنخدع بالمظاهر مؤقتاً، لكنها لا تخطئ طويلاً في قراءة المعدن الحقيقي للإنسان.
ولهذا فإن سؤالي الدائم لنفسي ليس: كم شخصاً يعرفني؟ بل: كيف يشعر الناس بعد أن يغادروا مجلسي؟ هل خرجوا وهم أكثر طمأنينة، وأكثر احتراماً، وأكثر ثقة بالإنسان؟ لأن القيمة الحقيقية لأي إنسان لا تُقاس بما يقوله عن نفسه، بل بالأثر الذي يتركه في نفوس من مروا بحياته.
وأنا على يقين بأن أعظم استثمار يمكن أن يقوم به الإنسان ليس في المال، ولا في الشهرة، ولا في النفوذ، وإنما في رصيده الأخلاقي. فهذا الرصيد وحده هو الذي لا تنتهي صلاحيته، وهو الذي يجعل الإنسان حاضراً في القلوب حتى بعد غيابه، ويجعل ذكراه تُستدعى بالدعاء لا بالندم، وبالامتنان لا بالتأفف. فهناك أشخاص يغيبون عن أعيننا، لكن إنسانيتهم تبقى حية في ذاكرتنا، لأنهم أدركوا أن أجمل ما يتركه الإنسان في الدنيا ليس ما امتلكه، بل ما غرسه في قلوب الناس من خير وصدق وأثر كريم.
4. في عالم متسارع ومادي، هل ترى أن المشاعر الإنسانية الحقيقية أصبحت تواجه أزمة جفاف عاطفي، أم أن الإنسان لا يزال يبحث عن الدفء الفطري؟
الإنسان لم يفقد مشاعره يوماً، لكنه فقد المساحات التي تسمح لهذه المشاعر بأن تُعاش بصدق. نحن لا نعيش أزمة عاطفة بقدر ما نعيش أزمة إيقاع؛ فالعالم أصبح يركض أسرع من قدرة القلب على الشعور، وأصبح يقيس النجاح بما نملك، لا بما نشعر، وبما نُنجز، لا بما نُنقذ من إنسانيتنا.
لقد دخلنا زمناً تُختزل فيه العلاقات في رسائل قصيرة، وتُقاس فيه المحبة بسرعة الرد، ويُستبدل الحضور الحقيقي بتفاعل إلكتروني عابر. وفي خضم هذا التسارع، بدأ الإنسان يعتاد الوفرة في وسائل التواصل، لكنه يعاني فقراً متزايداً في التواصل الإنساني نفسه. ولذلك لا أصف ما نعيشه بأنه جفاف عاطفي بقدر ما أراه تشويشاً عاطفياً؛ فالمشاعر موجودة، لكنها محاصرة بصخب وسرعة الحياة، ومثقلة بالقلق، ومشتتة بين آلاف المؤثرات التي لا تمنح القلب فرصة ليصغي إلى نفسه.
لقد أصبح الإنسان يعرف أخبار مئات الأشخاص، لكنه قد يعجز عن معرفة ما يشعر به أقرب الناس إليه. وأصبح بإمكانه أن ينشر تفاصيل يومه أمام العالم، بينما يجد صعوبة في أن يبوح بألمه لشخص واحد يثق به. وهذه مفارقة مؤلمة؛ فالتكنولوجيا قرّبت المسافات، لكنها لم تستطع وحدها أن تقرّب القلوب.
ومع ذلك، فأنا لا أنتمي إلى المدرسة التي ترى أن الإنسانية تتراجع بلا رجعة. على العكس، أرى أن الإنسان، مهما أحاط نفسه بالماديات، يبقى كائناً يبحث بالفطرة عن الدفء، وعن الطمأنينة، وعن يد تمسك به عندما تتعثر روحه. فكل ما حققته الحضارة من تقدم لم يستطع أن يلغي احتياج الإنسان إلى كلمة صادقة، أو حضن آمن، أو صديق وفي، أو قلب يشعر بأنه مفهوم ومقبول دون أقنعة.
ولعل الدليل على ذلك أننا، كلما اشتدت قسوة العالم، ازداد تقديرنا للأشياء البسيطة. رسالة صادقة قد تغيّر يوماً كاملاً، واعتذار نابع من القلب قد يعيد ترميم علاقة أوشكت على الانهيار، واهتمام صادق قد يداوي جرحاً لم تستطع سنوات أن تشفيه. وهذا يؤكد أن الإنسان لا يزال يحمل في داخله ذلك الطفل الذي يبحث عن الأمان، مهما ادعى القوة والاستقلال.
وأعتقد أن الأزمة الحقيقية ليست في قلة الحب، بل في قلة القدرة على التعبير عنه. كثيرون يشعرون، لكنهم يخشون البوح. كثيرون يحبون، لكنهم يؤجلون الامتنان حتى يفوت الأوان. وكثيرون يفتقدون من يحبون، لكن كبرياءهم يمنعهم من قول كلمة واحدة قد تغيّر كل شيء. وهنا تبدأ المسافات الحقيقية؛ ليست بين المدن، بل بين القلوب.
لذلك فإن رسالتي دائماً هي أن نحمي إنسانيتنا من الاعتياد. ألا نعتاد وجود من نحب حتى ننسى أن نعبر لهم عن محبتنا، وألا نؤجل الكلمات الجميلة بحجة أن الوقت ما زال طويلاً. فالعلاقات لا تنقصها المناسبات الكبرى، وإنما تنقصها اللفتات الصغيرة التي تُشعر الإنسان بأنه مرئي، ومسموع، ومحل تقدير.
أنا مؤمن بأن الإنسان سيظل يبحث عن الدفء الفطري ما بقيت فيه روح. قد تتغير الوسائل، وتتبدل أنماط الحياة، وتشتد هيمنة المادة، لكن القلب سيظل يفتش عن قلب يشبهه. فهذه ليست رغبة اجتماعية عابرة، بل حاجة وجودية أودعها الله في طبيعة الإنسان، ولن تستطيع سرعة العصر، ولا ضجيج التكنولوجيا، ولا بريق المادة أن تنتزعها منه. لأن الحضارة قد تمنح الإنسان رفاهية العيش، لكنها وحدها لا تستطيع أن تمنحه دفء الحياة.
5. بصفتك كاتباً يغوص في بواطن النفس؛ كيف توازن بين كبرياء الشخص وكرامته وبين رغبته في الحفاظ على علاقة إنسانية يراها توشك على الانتهاء؟
أكثر الصراعات الإنسانية تعقيداً ليست تلك التي تحدث بين الإنسان والآخرين، بل تلك التي تدور داخله؛ بين قلب يريد أن يتمسك، وعقل يحاول أن يحميه، بين رغبة في البقاء وكرامة تخشى أن تُهدر. فهناك لحظات في الحياة يقف فيها الإنسان أمام مرآته ويسأل: هل تمسكي بهذه العلاقة دليل وفاء، أم أنه خوف من الفقد؟ وهل انسحابي منها حفاظ على كرامتي، أم هروب من مواجهة الحقيقة؟
وفي تقديري أن الكرامة والكبرياء ليسا شيئاً واحداً، رغم أن كثيراً من الناس يخلطون بينهما. فالكرامة هي أن يعرف الإنسان قيمته، وألا يسمح بالإهانة أو الاستنزاف أو أن يتحول وجوده في حياة الآخرين إلى عبء أو خيار ثانوي. أما الكبرياء المفرط فقد يكون جداراً نبنيه حول قلوبنا، يمنعنا من الاعتراف بالخطأ، أو المبادرة بالصلح، أو التعبير عن مشاعرنا خوفاً من أن نظهر بمظهر الضعيف.
لذلك فالإنسان الناضج لا يقيس العلاقات بمنطق الانتصار والهزيمة؛ لأن العلاقة الإنسانية ليست ساحة معركة يبحث فيها أحد الطرفين عن الغلبة، وإنما مساحة مشتركة تحتاج إلى شجاعة الاعتراف، وصدق الحوار، وقدرة على التنازل عندما يكون التنازل حفاظاً على قيمة أكبر. أحياناً تكون كلمة “أنا آسف” أكثر قوة من خطاب طويل للدفاع عن النفس، وأحياناً يكون الاقتراب من الآخر شجاعة أكبر من الرحيل عنه.
لكن في المقابل، هناك فارق جوهري بين أن نحارب من أجل علاقة تستحق، وأن نتمسك بعلاقة انتهت صلاحيتها. فليس كل بقاء وفاء، وليس كل رحيل قسوة. هناك علاقات تحتاج إلى يد تمتد لإنقاذها، وهناك علاقات تحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأنها استنزفت ما كان فيها من خير. الحكمة ليست في التمسك دائماً، ولا في الرحيل دائماً، بل في القدرة على قراءة الحقيقة كما هي، بعيداً عن خوف الفقد أو غرور الكبرياء.
وأرى أن السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه الإنسان على نفسه ليس: “هل أستطيع أن أعيش من دون هذا الشخص؟”، بل: “هل وجودي في هذه العلاقة يجعلني أفضل أم يجعلني أفقد نفسي؟”. فالعلاقات الصحية لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن كرامته حتى يثبت حبه، ولا تجعله يختار بين نفسه وبين الآخر، بل تمنحه مساحة يكون فيها محبوباً ومحترماً في الوقت ذاته.
إن أجمل صور الحب الإنساني ليست أن نقاتل للبقاء مهما كان الثمن، وإنما أن نعرف قيمة ما نحاول إنقاذه. فهناك فرق بين من يتمسك لأنه يحب، ومن يتمسك لأنه يخشى الوحدة. وهناك فرق بين من يرحل لأنه يحترم نفسه، ومن يرحل لأنه يعاقب الآخر بصمته.
في نهاية الامر الإنسان لا يخسر كرامته عندما يبادر، ولا يقل قدره عندما يعترف بمحبته، لأن القلوب الكبيرة لا تخجل من الصدق. لكن الكرامة الحقيقية تظهر عندما يعرف الإنسان متى يمد يده، ومتى يسحبها بهدوء. فليس النضج أن تغلق كل الأبواب حتى لا تتألم، وليس النضج أن تترك كل الأبواب مفتوحة حتى تُستنزف، وإنما النضج أن تعرف أي الأبواب يستحق أن تُبقيه مفتوحاً، وأيها يجب أن تغلقه باحترام.
فالإنسان النبيل لا يحافظ على العلاقات خوفاً من فقدها، بل يحافظ عليها لأنها تستحق، ولا يرحل بدافع الغضب، بل يرحل حين يدرك أن استمرار الرحلة أصبح على حساب إنسانيته. وفي المسافة الدقيقة بين الحب والكرامة، يولد أعظم أشكال الوعي الإنساني.

تابعنا

طباعة الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *