لم أكن أعلم أن للقلب طاقة محدودة وأن الصبر مهما طال له سقف وأن العاطفة مهما قويت لها لحظة تنطفئ فيها بلا إنذار كنت أظن أن القلب كالنهر مهما حملته الأيام يظل يجري لكني اكتشفت متأخرا أنه يمكن أن يجف فجأة أن يتحول من موج راقص إلى حجر بارد
وهكذا بدأ قلبي يموت
لم يمت لأنه خذل مرة بل لأنه خذل مرات كثيرة حتى بدا وكأنه يتفتت تحت قدمي كل جرح كان شقا في جداره وكل وعد لم يوف كان مسمارا جديدا في أطرافه وكل انتظار بلا نتيجة كان ثقلا يسقطه نحو الهاوية وبالرغم من ذلك ظل يحاول ظل ينبض ويعاند ويقاوم وكأنه يصر أن يكون آخر من يستسلم
لكن حتى الأقوى ينهزم
وحين انهزم انهار داخلي بصوت خافت
لم أسمعه بل شعرت به
كأن شيئا من نور انطفأ وكأن دفئا كان يملأ صدري دون أن أدركه غادر فجأة دون رجعة
حملته كما يحمل المرء ذكرى موجعة لا يريدها ولا يستطيع التخلص منها أخذته إلى زاوية مظلمة من نفسي إلى مكان لم تطأه الأقدام منذ زمن مكان اعتاد أن يحتضن ما أخفيه عن العالم وما
أخفيه عن نفسي
هناك بدأت الحكاية الأخيرة
جلست أمام ذلك القلب المتهالك كمن يقف أمام جدار يوشك أن يسقط حاولت أن أضمد تشققاته أن أرجعه إلى الحياة أن أقنعه بأن ينفض الغبار عن أوجاعه ويكمل الطريق لكنه لم يتحرك كان ميتا بالفعل أو شيئا يشبه الموت
فحفرت له قبرا داخليا
قبرا بلا شاهد بلا دموع بلا تأبين
قبرا لا يعرفه أحد غيري
وضعته في الحفرة برفق غريب كأني أعتذر له عن كل ما حدث وكأني أطلب منه أن يغفر لي لأني سمحت للحياة أن تقتله ثم غطيته بالتراب تراب من ذكريات ثقيلة وأيام لم ترحمه ووجوه مرت على روحه عبورا ثم تركته معلقا في العدم
ومنذ دفنه تغير كل شيء
صار صدري مساحة خالية لا صوت فيها ولا رعشة
لم أعد أشعر بالارتباك حين يمر أحدهم ولا بالاشتياق حين يغيب أحد ولا بالحزن حين تبتعد الأشياء
صرت أنظر للحياة كمتفرج لا كمشارك
صرت أعبر الشوارع بلا خوف وأجلس بين الناس بلا وجع وأسكن نفسي بلا حركة
كأني أصبحت ظلا لإنسان لا إنسانا كاملا
لكن الحقيقة أن القلوب حتى بعد موتها لا تختفي تماما
في منتصف الليل حين تسقط المدينة في الصمت أشعر بارتجافة خفيفة تحت التراب
كأن القلب يحاول أن ينهض
كأن هناك سؤالا يعود من بعيد
هل تسمحين لي أن أعود
لكني ألتزم الصمت
أخاف أن يعود إلى الحياة ثم يهزم مرة أخرى
أخاف أن يصدق الوهم أن يمنح نفسه بلا حساب أن يتورط في حلم لا يكتمل
أخاف أن أخسره مرة ثانية وهذه المرة قد لا أجد أرضا أدفنه فيها
ومع ذلك ثمة جزء صغير في داخلي لا يزال ينتظر جزء لا يعترف بالدفن جزء يصدق أن القلوب قد تصحو بعد موتها وأن التراب ليس
النهاية دائما
ربما يعود يوما
وربما يبقى حيث هو
وربما أحتاج إلى قلب جديد يولد من رماده
لا أعرف
كل ما أعرفه الآن أن تحت طبقات من صمتي
هناك قلبا تهالك ومات ودفنته
وتركت فوق قبره جملة واحدة لا أشطبها
هنا سقط من أحب حتى آخر رمق ولم يجد من يمسكه

