يثير الجدل المتداول حول ما وُصف بـ«خطف» رئيس فنزويلا أسئلة أعمق من الحدث نفسه، سواء كان واقعاً مؤكداً أم سيناريوً متداولاً في أروقة السياسة والإعلام. فالقضية، في جوهرها، لا تتعلق بشخص نيكولاس مادورو بقدر ما تمس فكرة سيادة الدول وحدود القوة في النظام الدولي.
لطالما قدّمت الولايات المتحدة نفسها حارساً للنظام العالمي القائم على القانون، لكنها في الوقت ذاته لم تتردد تاريخياً في تجاوز هذا الإطار حين تعارض مع مصالحها الاستراتيجية. فنزويلا، بثقلها النفطي وموقعها الجغرافي، كانت دائماً ساحة اختبار لهذا التناقض: دولة ضعيفة اقتصادياً، لكنها قوية بما تملك من موارد، ومحاطة بصراع نفوذ لا يرحم.
إذا صحّ منطق “القبض على الخصم” كأداة سياسية، فإن العالم يقف على عتبة مرحلة جديدة، حيث تتحول الدولة إلى رهينة، والرئيس إلى ورقة تفاوض.
هنا لا يعود السؤال: هل مادورو محبوب أم مكروه؟ بل: من التالي؟ وأي دولة ستشعر بعد اليوم أن سيادتها مصونة إذا ما تعارضت مع مصالح قوة كبرى؟
المدافعون عن مثل هذه المقاربات يبررونها بشعارات «محاربة الفساد» أو «حماية الديمقراطية»، لكن التجربة أثبتت أن الفوضى غالباً ما تكون النتيجة المباشرة. فراغ السلطة لا يولّد الإصلاح تلقائياً، بل يفتح الباب أمام صراعات داخلية، وتدخلات خارجية، وانهيار اقتصادي يدفع ثمنه المواطن قبل السياسي.
الأخطر من ذلك أن تحويل القوة إلى بديل عن القانون الدولي ينسف ما تبقى من الثقة في المؤسسات العالمية. مجلس الأمن، الأمم المتحدة، والاتفاقيات الدولية تبدو في مثل هذه اللحظات عاجزة أو مُهمّشة، وكأنها وُجدت فقط للدول الضعيفة لا القوية.
في النهاية، قد يربح طرف ما جولة سياسية سريعة، لكن الخسارة الحقيقية تكون عالمية. عالم تُدار فيه الخلافات بالخطف والضغط بدل الحوار والقانون، هو عالم أكثر اضطراباً وأقرب إلى الفوضى. والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس ما الذي سيحدث لفنزويلا فقط، بل أي نظام دولي نريده غداً؟

