المنطقة تمرّ بأدق مراحلها وأشدّها حساسية، فالنيران المشتعلة في أطرافها تهدد بامتداد اللهيب إلى قلب العالم العربي. وما بين ضربات إسرائيل الموجّهة إلى قطر، والتوترات المتصاعدة التي ترسم مشهدًا إقليميًا مرتبكًا، يظل السؤال قائمًا: من الذي يمتلك القدرة على الإمساك بزمام الأمور، وحماية الشعوب العربية من الانزلاق إلى هاوية الفوضى؟
الإجابة لا تحتاج إلى كثير من البحث؛ فمصر، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تظلّ صمام الأمان، والركيزة التي تُبنى عليها توازنات المنطقة. في الوقت الذي تتقاذف فيه الأطراف موجات التصعيد، وقعت مصر على عاتقها مسؤولية أكبر من حماية حدودها أو رعاية مصالحها فقط، بل امتدت رسالتها إلى حماية جوهر الأمن القومي العربي.
لقد تعامل الرئيس السيسي مع الأزمة بوعي استراتيجي عميق، مدركًا أن أي خلل في الخليج سيمتد أثره المباشر على مصر وعلى العالم العربي كله. ومن هنا جاء الموقف المصري ثابتًا، عقلانيًا، وحكيمًا: تهدئة بقدر الإمكان، رفض الانجرار وراء الاستفزازات، وتأكيد أن أمن قطر أو أي دولة عربية هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي الشامل.
السياسة المصرية في هذا السياق لم تكن مجرد بيانات دبلوماسية أو شعارات عامة، بل رؤية متكاملة تقوم على أن مصر لا تسمح بتمزيق الصف العربي أو تفكيك جسور التعاون بين الأشقاء. فالرئيس السيسي أعلنها صريحة: مصر لن تكون طرفًا في إشعال نار، لكنها ستكون دائمًا الطرف الأقوى في إخمادها.
إن الحكمة التي يقود بها الرئيس السيسي هذا الملف تعكس فهمًا عميقًا لمعنى القيادة: القيادة ليست رفع الشعارات ولا الركون إلى العاطفة، بل هي القدرة على قراءة المشهد بكل أبعاده، واختيار القرار الذي يحمي الحاضر ويصون المستقبل. وهنا بالذات تتجلى خصوصية الدور المصري؛ إذ لا تتحرك القاهرة لمصالح آنية أو مكاسب ضيقة، وإنما تتحرك من منطلق أن قوة مصر تعني حماية العرب، وأن وحدة الصف العربي خط الدفاع الأول في مواجهة أي عدوان أو تهديد.
وفي ظل استهداف قطر، أرسلت القيادة المصرية رسالة مزدوجة: تضامن مع الشعب القطري من ناحية، ورسالة تحذير واضحة لإسرائيل من ناحية أخرى بأن أمن العرب ليس مجالاً للمساومة، وأن مصر وإن اختارت الحكمة طريقًا، فهي قادرة على الحسم إن لزم الأمر.
لقد اعتادت المنطقة أن ترى مصر في اللحظات الحرجة، تمسك بزمام الموقف، وتحوّل مسار الأحداث من الفوضى إلى الاستقرار. واليوم، وبين ضرب إسرائيل لقطر ومخاوف اتساع رقعة التصعيد، تعود مصر لتؤكد أنها قلب الأمة النابض، وعقلها الحكيم، وسيفها وقت الحاجة.
إن ما يكتبه الرئيس السيسي اليوم من مواقف ليس مجرد سياسة وقتية، بل هو تأسيس لمرحلة جديدة من القيادة العربية الواعية التي تعرف كيف توازن بين الحكمة والقوة، بين التهدئة والردع، وبين حماية مصر وصيانة الأمة.
د. تامر عبد القادر عمار
كاتب صحفي
خبير التسويق والتخطيط الاستراتيجي
مهتم بقضايات التنمية والعلاقات الانسانية

