الفصل الأول: حين يرتجف القلب أمام الرمز
كان يمكن أن يمرّ المشهد عاديًا… مجرد رسم صغير على يد رجلٍ عابر، أو نقشٍ قديم على جدار بيتٍ في حيٍّ هادئ، لكنّ القلب لم يمرّ به مرور الكرام.
شعور غامض تسلل إلى الصدر، كأن اليد التي تحمل الصليب لا تخصّ الآخر، بل تمسّ شيئًا في أعماقي أنا.
لم يكن الصليب هو المشكلة… بل ارتباك السؤال: لماذا يرتجف القلب حين يرى ما يخالفه؟
في تلك اللحظة أدركت أن القضية ليست في الدين، بل في البرمجة الخفية التي زرعتها الحياة فينا منذ الصغر، حين كانت تفرّق بين “نحن” و”هم”، وتعلّمنا أن نرتاح لرمزٍ دون آخر، دون أن نسأل: من زرع فينا هذا الارتياح؟ ومن أين جاء هذا النفور؟
لقد نشأنا في مجتمعٍ لا يكره الآخر بقدر ما يخافه.
الخوف هو الجذر، والخوف دائمًا يتزيّن بأقنعة كثيرة: مرة باسم العقيدة، ومرة باسم العرف، ومرة باسم الدفاع عن الهوية.
لكن الهوية الحقيقية لا تهتز أمام رموز الآخرين، لأنها تعرف من هي، وتستقرّ في نفسها كالشجرة التي لا تخاف الرياح.
ربما المشكلة ليست في الصليب ولا في الهلال، بل في العين التي لا ترى إلا الرمز.
القلب حين يضيق بالرمز، لا يضيق لأن الرمز خطأ، بل لأنه يرى فيه تهديدًا لما حفظه عن ذاته.
كل شعارٍ غريب يذكّرنا بأننا لسنا وحدنا في هذا الكون… وأننا لسنا الصواب المطلق كما قيل لنا.
وهكذا يبدأ الشفاء:
حين لا نبرّر خوفنا، بل ننظر إليه ونسأله: “من أين جئت؟ ومن الذي علمك أن تنفر؟”
ذلك السؤال وحده هو بداية الحرية.
من كتاب( حين يرى القلب قبل الرمز )
تأليف خالد البنا

