في منعطفٍ دوليٍ بالغ التعقيد، تتقاطع فيه خطوط النار مع خرائط المصالح، وتتشابك فيها حسابات القوة مع رهانات البقاء، تبرز المبادرات الكبرى لا باعتبارها حلولًا جاهزة، بل بوصفها أدوات لإعادة ضبط المشهد وإعادة تعريف موازين اللعبة. ومن هذا المنطلق، تبدو المبادرة الصينية الأخيرة لوقف الحرب وكأنها عودة محسوبة إلى «مربع الصفر»، لا هروبًا من تعقيدات الواقع، بل محاولة لإعادة تشكيله وفق قواعد جديدة تُعيد ترتيب الأولويات وتُحرج الأطراف المنخرطة في الصراع.
لقد دخلت بكين على خط المفاوضات بطلبٍ مباشر من باكستان، التي رأت في الصين طرفًا قادرًا على لعب دور الضامن، مستندةً إلى شبكة المصالح المتشابكة التي تربطها بالولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته بعلاقاتها الاستراتيجية العميقة مع إيران. هذا التوازن الدقيق منح الصين موقعًا فريدًا، ليس كوسيط تقليدي، بل كفاعل يسعى إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسي قبل العسكري.
وجاءت المبادرة الصينية في خمسة بنود تبدو في ظاهرها أقرب إلى المسلمات الدولية، لكنها في جوهرها تحمل أبعادًا استراتيجية عميقة. أول هذه البنود هو الوقف الفوري للحرب، مع إدخال المساعدات الإنسانية إلى الداخل الإيراني، في ظل ما تعرض له من قصف واسع خلال العمليات العسكرية. غير أن اللافت هنا أن الصين تعمدت إغفال أي إشارة إلى تقديم إيران تنازلات، وهو ما يعكس إدراكًا صينيًا لطبيعة التوازنات، ومحاولة لتجنب كسر أحد أطراف المعادلة منذ اللحظة الأولى.
أما البند الثاني، فقد دعا إلى بدء محادثات السلام في أقرب وقت ممكن، مع تأكيد صارم على احترام سيادة إيران ودول الخليج وسلامة أراضيها واستقلالها الوطني، والالتزام الكامل بحل النزاعات عبر الوسائل السلمية، دون اللجوء إلى القوة أو حتى التهديد بها. وهو بند لا يخلو من رسائل مبطنة، إذ يعيد التذكير بالمبادئ التي لطالما جرى تجاوزها في خضم الصراعات الكبرى.
وفي البند الثالث، وضعت الصين مسألة حماية الأهداف غير العسكرية في صدارة أولوياتها، مطالبة بوقف استهداف البنية التحتية الحيوية، من محطات الطاقة والمياه إلى المنشآت المدنية. ويكتسب هذا الطرح أهميته في ظل ما تشير إليه المعطيات من تعرض ما يقارب 113 هدفًا مدنيًا في إيران لضربات مباشرة، وهو ما يفتح الباب أمام مساءلات قانونية وأخلاقية تتجاوز حدود ساحة المعركة.
أما البند الرابع، فقد ركّز على أمن الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، مع الدعوة إلى فتحه بشكل دائم وضمان عدم التعرض للسفن العابرة. وهو بند يعكس إدراكًا صينيًا عميقًا لحساسية هذا الشريان الحيوي، الذي لا يمثل فقط ممرًا للطاقة، بل نقطة ارتكاز للاقتصاد العالمي بأسره.
ويأتي البند الخامس ليؤكد على أولوية ميثاق الأمم المتحدة، والدعوة إلى احترام القوانين الدولية من قبل جميع أطراف النزاع، في محاولة لإعادة الاعتبار لمنظومة قانونية دولية تآكلت فعاليتها تحت وطأة السياسات الأحادية.
غير أن القراءة المتأنية لهذه المبادرة تكشف أنها، في حقيقتها، لا تسعى فقط إلى إنهاء الحرب، بقدر ما تهدف إلى إعادتها إلى نقطة البداية، إلى «مربع الصفر» حيث تُعاد صياغة الشروط من جديد. وهنا تتجلى براعة التحرك الصيني؛ إذ تضع واشنطن أمام معادلة معقدة: قبول المبادرة بما تعنيه من تراجع عن مكتسبات ميدانية، أو رفضها بما يحمله ذلك من كلفة سياسية وأخلاقية.
ففي حال رفض الولايات المتحدة لهذه المبادرة، تكون الصين قد حققت ثلاثة مكاسب استراتيجية دفعة واحدة. أولها أنها رسخت صورتها كـ«حمامة سلام» في مواجهة قوة عسكرية يُنظر إليها باعتبارها طرفًا في التصعيد. وثانيها أنها تترك الحرب تستمر، بما يضمن استنزافًا أطول للقدرات الأمريكية في ساحة معقدة، دون أن تتحمل بكين كلفة المواجهة المباشرة. أما المكسب الثالث، فيكمن في حفاظها على توازن علاقاتها مع طرفي الصراع، بما يضمن استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز، وهو ما يمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد الصيني.
إنها، في النهاية، ليست مجرد مبادرة لوقف حرب، بل خطوة محسوبة في صراع أكبر على تشكيل النظام الدولي القادم. فالصين، التي تتحرك بهدوء استراتيجي، لا تبحث فقط عن إخماد النيران، بل عن إعادة رسم الخريطة التي اشتعلت فوقها تلك النيران. وبين مربع الصفر ومربعات النفوذ، يبقى السؤال معلقًا: هل نحن أمام تسوية تلوح في الأفق، أم أمام إعادة تموضع تمهّد لجولات أكثر تعقيدًا في صراع لم يقل كلمته الأخيرة بعد؟؟.

