هناك أسئلة لا تُجاب بالعقل وحده، لأنها وُلدت في مساحةٍ لا يبلغها المنطق، ولا تكفيها قوانين الفلسفة أو معادلات النفس. أسئلة كلما ظن الإنسان أنه امتلك جوابها، باغتته الحياة بإجابةٍ أخرى أكثر عمقًا وأشد إرباكًا. ولعل أكثرها حضورًا في وجداني ذلك السؤال الذي رافقني طويلًا: هل الحب قرار أم شعور؟
كنت، في بدايات العمر، أؤمن أن الحب شعورٌ محض، يولد فجأة كما يولد المطر من رحم الغيم، وأن القلب لا يستأذن العقل حين يختار من يحب. كنت أظن أن الحب قدرٌ لا نملك أمامه إلا الاستسلام، وأن الإنسان لا يُسأل عن قلبه كما لا يُسأل عن نبضه.
لكن السنوات كانت أصدق من كل القناعات التي حملتها.
لقد رأيت مشاعر متقدة انطفأت لأنها لم تجد قرارًا يحميها، ورأيت بيوتًا صمدت رغم أن وهج البدايات قد خفت فيها، لأن أصحابها اتخذوا كل صباح قرارًا جديدًا بأن يبقوا معًا. عندها بدأت أوقن أن الحب، وإن بدأ شعورًا، لا يعيش إلا إذا تحول إلى قرار.
إن الشعور يشبه الشرارة الأولى؛ يضيء القلب، ويوقظ الأحلام، ويمنح الحياة ألوانًا لم نكن نراها من قبل. لكنه يبقى لحظة إن لم يجد من يغذيه بالفعل. أما القرار، فهو الحارس الصامت لذلك الشعور؛ هو الوفاء حين تتبدل المزاجات، والصبر حين تعصف الخلافات، والاحترام حين تخفت الكلمات الجميلة، والاختيار المتجدد لشخصٍ واحد، رغم ازدحام العالم بالوجوه.
ولعل أكثر ما يؤلم في الحب ليس أن المشاعر تموت، بل أن أصحابها يتركونها تموت بالتأجيل.
نؤجل الاعتراف حتى يسبقنا الصمت، ونؤجل الاعتذار حتى يصبح الجرح أعمق من الكلمات، ونؤجل الاهتمام لأننا نظن أن من نحب سيبقى منتظرًا إلى الأبد. وهنا يبدأ ذلك التسويف الخفي الذي لا يسرق الوقت فحسب، بل يسرق العلاقات نفسها.
كم من قلبٍ كان ينتظر رسالة واحدة تعيد إليه الطمأنينة، فلم تصله إلا بعد أن برد الشوق؟ وكم من إنسانٍ كان يحتاج كلمة تقدير، أو حضنًا صادقًا، أو سؤالًا بسيطًا: “كيف حالك؟”، لكننا كنا منشغلين بتأجيل كل شيء إلى الغد، حتى جاء الغد بلا أصحاب.
لقد تعلمت أن الحب لا يموت بضربة واحدة، وإنما يذبل في كل مرة نقول فيها: “ليس الآن”. يذبل حين نؤجل اللقاء، ونؤجل الحوار، ونؤجل المصالحة، ونؤجل التعبير عن الامتنان، حتى تتحول العلاقة إلى هيكلٍ يقف بلا روح.
ولذلك، لم أعد أؤمن بأن الحب مجرد شعور عابر. فالمشاعر، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تقاوم الإهمال طويلًا. القلب يحتاج إلى أفعال تؤكد ما يشعر به، وإلى مواقف تمنح الكلمات صدقها. فما قيمة عبارة “أحبك” إذا لم تتحول إلى حضور وقت الغياب، وإلى سند وقت الانكسار، وإلى وفاء حين تتغير الظروف؟
الحب الحقيقي لا يُقاس بحرارة البدايات، بل بثبات النهايات. ولا يُختبر في لحظات الفرح، وإنما في الأيام التي يصبح فيها البقاء أصعب من الرحيل. هناك فقط يتقدم القرار خطوة إلى الأمام، ليمسك بيد الشعور قبل أن يسقط.
لقد سألت نفسي طويلًا: لو كان الحب شعورًا فقط، فلماذا ينجح بعض الناس في الحفاظ عليه رغم قسوة الحياة؟ ولماذا يفشل آخرون رغم أن بداياتهم كانت أشبه بالحكايات؟ ولم أجد جوابًا أكثر صدقًا من أن الحب يبدأ هديةً من القلب، لكنه يستمر بإرادة الإنسان.
واليوم، لو سألني أحدهم: هل الحب قرار أم شعور؟ لقلت له إن السؤال ناقص، لأن الحب الحقيقي يجمع الاثنين معًا. إنه شعور يفتح الباب، وقرار يمنعه من أن يُغلق. شعور يولد بلا استئذان، وقرار يتجدد كل يوم بلا صوت عالي.
وهكذا أدركت أن أعظم قصص الحب ليست تلك التي اشتعلت سريعًا، بل تلك التي انتصرت على الزمن. فالقلوب قد تقع في الحب دون اختيار، لكنها لا تبقى فيه إلا إذا اختارت، كل يوم، أن تمنح من تحب وقتها، وصدقها، ووفاءها، قبل أن تسرقها مرارة التأجيل، وتتحول أجمل المشاعر إلى أكثر الذكريات وجعًا.

