أمي ليست مجرد إنسانةٍ في حياتي، بل هي الحياة ذاتها. هي المدى الذي يبدأ عنده الفرح، وينتهي عنده الخوف. وحين تمرض، كأن الكون يتوقف قليلًا ليلتقط أنفاسه… كأن قلبي يفقد إيقاعه الطبيعي، وتصبح كل التفاصيل الصغيرة في الدنيا بلا معنى.
حين تتألم أمي، أشعر أن روحي تُسحب من داخلي ببطءٍ لا يُحتمل. أستيقظ على وجعها، وأنام على قلقها، كأنني طفلٌ من جديد لا يعرف أين الأمان إن غابت هي.
كل ما فيّ يرتبك حين أراها تتعب؛ ملامحي، صمتي، حتى صلاتي تتحول إلى بكاءٍ خفيّ بين يدي الله، أرجوه أن يشفيها، أن يطيل عمرها، أن يترك لي ظلّها دافئًا كما كان دائمًا.
أمي هي الحب الذي لا يُقاس، ولا يُشبهه شيء. هي النور الذي لم يخفت يومًا، مهما كثرت خيباتي وتعبت طرق العمر. هي التي احتوتني حين خذلني الجميع، والتي رأت فيّ الجميل وأنا غارق في ضعفي.
أمي لا تعرف أنني كلما ضاقت بي الأرض، أعود إليها بصمتي، بنظرتي، بابتسامةٍ أبحث فيها عن معنى البقاء.
وحين تصاب بأذى ، كأن جزءًا مني ينهار، وجزءًا آخر يحاول أن يكون قويًا لأجلها. أقاوم دموعي أمامها كي لا تشعر أني ضعيف، لكنها ترى ما أخفي، تقرأ وجعي قبل أن أنطق، وتبتسم رغم الألم وكأنها تطمئنني أن كل شيء سيكون بخير.
ما أعجب قلب الأم… يتألم بصمتٍ كي لا يزعج أبناءه، ويخاف عليهم حتى في لحظات وجعه، ينسى نفسه ليتذكرهم، ويبتسم رغم المرض لأن الحزن على وجهها يوجعهم أكثر من الداء نفسه.
أحبكِ يا أمي… حبًّا لا يُكتب ولا يُوصف، حبًّا لو قُسِم على العالم لكفاه دفئًا وحنانًا.
أمي هي المعنى الكامل للعطاء، هي النقاء الذي لم يلوثه زمان، هي الوطن الذي كلما ابتعدت عنه اشتقت إليه، وكلما اقتربت شعرت أنني بخير مهما حدث.
اللهم اشفِ أمي شفاءً لا يغادر سقمًا، وامنحها من الراحة والعافية بقدر ما منحتنا من حبٍ وسكينة.
ففي كل مرة تمرض فيها، أعرف يقينًا أن جسدها هو جسدي، وأن دمعها هو وجعي، وأن الدعاء لها هو الحياة نفسها.
وحين تعود بخير، يعود النبض لقلبي، وتعود البسمة لروحي، وأشعر أن الله أعاد إليّ جزءًا من نفسي.
فيا الله… احفظ أمهاتنا جميعًا، فالحياة من بعدهن باهتة، والفرح بلا دعائهن ناقص، والدنيا دونهُن لا تطاق .

