يُعدّ الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الجامع الأزهر، أحد أبرز القامات الدينية والفكرية في العالم الإسلامي المعاصر، إذ اتسمت مسيرته العلمية والفكرية بالجمع بين الأصالة التراثية والانفتاح العصري على العالم، ما جعله رمزًا للاعتدال الإسلامي والوسطية، وأحد أهم دعاة الحوار بين الحضارات.
النشأة والتكوين العلمي
وُلد الإمام أحمد محمد الطيب في 6 يناير عام 1946 بمدينة القرنة بمحافظة الأقصر، ونشأ في أسرة كريمة مشهود لها بالعلم والصلاح. بدأ تعليمه في الكتّاب، ثم التحق بالأزهر الشريف، حيث نهل من مناهجه الوسطية القائمة على التعددية الفكرية وقبول الآخر.
حصل على درجة الليسانس، ثم الماجستير، ثم الدكتوراه في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة الأزهر.
كما ابتُعث في مهمة علمية إلى فرنسا، حيث درس بجامعة السوربون، ما أتاح له الاطلاع الواسع على الفكر الغربي، وإتقان اللغة الفرنسية، الأمر الذي أسهم في تشكيل رؤيته العالمية ومنهجه المنفتح.
التدرج في المناصب
تقلّد فضيلة الإمام الأكبر عددًا من المناصب الأكاديمية والقيادية البارزة قبل توليه مشيخة الأزهر، من أبرزها:
عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بأسوان.
مفتي الديار المصرية خلال الفترة من 2002 إلى 2003.
رئيس جامعة الأزهر من 2003 حتى 2010، حيث شهدت الجامعة في عهده تطورًا ملحوظًا على المستويين العلمي والإداري.
وفي مارس 2010، تولّى منصب شيخ الأزهر الشريف خلفًا للإمام الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي.
جهوده في التجديد ونشر السلام
شهدت فترة تولي الإمام الطيب مشيخة الأزهر مواقف تاريخية وجهودًا متواصلة لترسيخ قيم التسامح ومواجهة الفكر المتطرف.
أولًا: حوار الأديان و”وثيقة الأخوة الإنسانية”
تُعد العلاقة الأخوية التي جمعته ببابا الفاتيكان، البابا فرنسيس، إحدى أبرز محطات مسيرته، والتي تُوّجت بتوقيع “وثيقة الأخوة الإنسانية” في أبوظبي عام 2019، كإطار عالمي لنشر ثقافة التعايش والسلام الإنساني.
ثانيًا: تطوير الخطاب الديني
عمل الإمام الأكبر على تجديد الخطاب الديني دون التفريط في الثوابت، من خلال:
تأسيس مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، لرصد ومواجهة الأفكار المتطرفة، خاصة عبر الفضاء الإلكتروني.
تطوير المناهج الأزهرية بما يتوافق مع متطلبات العصر.
إطلاق مبادرة “بيت العائلة المصرية” لتعزيز التماسك الوطني وترسيخ قيم المواطنة بين المسلمين والمسيحيين.
ثالثًا: القضايا الإسلامية والعالمية
ظل الإمام أحمد الطيب صوتًا قويًا في الدفاع عن قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، مؤكدًا باستمرار عروبة القدس الشريف، ورافضًا جميع أشكال الاحتلال والظلم والعدوان.
منهج الإمام الطيب
ينتهج الإمام الأكبر المنهج الأشعري في العقيدة، ويستند إلى المذاهب الفقهية الأربعة في التشريع، ويتبنى التصوف السني في السلوك، وهو ما جعله نموذجًا متوازنًا للوسطية الإسلامية، رافضًا للغلو والانفلات على حد سواء.
“إن السلام بين المؤمنين بالأديان هو منطلق السلام بين البشر جميعًا.”
— الإمام أحمد الطيب
خاتمة
ستظل مسيرة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب علامة فارقة في تاريخ الأزهر الشريف، حيث شهدت فترة قيادته استعادة الأزهر لدوره الريادي عالميًا، كمرجعية إسلامية كبرى ومنارة للحكمة والسلام في مرحلة بالغة الدقة من تاريخ الأمة.

