في محراب البيان القرآني تتجلى سورة يوسف كأبهى ما تكون القصص فهي ليست مجرد سردٍ لأحداث تاريخية بل هي لوحة إنسانية إيمانية صيغت بأحرف من نور وفي ذروة هذا السرد النبيل وتحديداً عند مشهد التلاقي بعد غياب طويل وعجافٍ مضنيةذ يأتي الصوت الإلهي ليخلّد لحظة تختصر معاني البرّ والوفاء ومكانة الأرض التي إحتضنت هذا اللقاء .
يقول الحق تبارك وتعالى
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾
أولاً مشهد اللقاء بلاغة العاطفة وجلال البر
تبدأ الآية الكريمة برسم مشهد مهيب تشخص فيه الأبصار «فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ» وهنا ينتهي شقاء السنين وتتبخر غيابات الجب ولوعة الفراق .
«آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ» لم يقل إستقبل أو جلس مع بل إختار اللفظ القرآني المعجز (آوى) والصلة اللغوية هنا تحمل دفء الضم والاحتواء والأمان إنه ردّ الجميل للوالدين بعد تمكين الله له في الأرض وإشعارٌ لهما بأن ملك مصر وعرشها ليس سوى ظلٍ يستظل به الأبوان .
البلاغة النفسية يظهر يوسف عليه السلام في هذه اللحظة ليس كوزيرٍ للمال وقائدٍ للبلاد فحسب بل كابنٍ بارٍ تلاشت أمامه كل مظاهر السلطة لتبرز عاطفة البنوة النقية.
ثانياً: مصر.. أرض الأمان بمرسومٍ إلهي
حين نطق يوسف عليه السلام قائلًا «ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ» لم يكن هذا مجرد ترحيبٍ دبلوماسي أو بروتوكول ملكي بل كان إعلانًا لهوية هذه الأرض وطبيعتها التي جُبلت عليها .
وتقديم الأمان على الرغد في وقتٍ كانت فيه الأرض تعاني من قحطٍ وجوع (سنوات العجاف) لم يقل يوسف ادخلوا مصر شبعانين أو مرفهين بل قال «آمِنِينَ» لأن الأمان هو السقف الذي بدونه لا قيمة للمال أو الطعام ومصر كانت ولا تزال الواحة التي تنبت فيها الطمأنينة والسكينة والأمن والأمان إلي يوم الدين .
فضل مصر في مرآة الوحي والتاريخ
إن ذكر مصر صراحةً في القرآن الكريم وفي هذا السياق بالذات يحمل دلالات عميقة تعكس مكانتها الإستثنائية بين الأمم
ملاذ الأنبياء لم تكن مصر مجرد جغرافيا عادية بل كانت كنف الحماية الإلهية للأنبياء ففيها نزل إبراهيم الخليل وموسى كليم الله وإليها لجأت العذراء البتول واحتضنت طفلها المسيح عيسى عليه السلام في رحلة العائلة المقدسة بحثاً عن الأمان .
وعاش فيها يوسف الصديق وولد وتربى على أرضها حتي صار عزيز مصر وقال للملك
(اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ) فهي الأرض التي تطعم الجائع وتجير المستجير وتفتح أبوابها لكل غريب يطلب الدفء والسلام
وأن مصر ليست مجرد دولة في التاريخ بل هي تاريخٌ صيغ على شكل دولة تفتح ذراعيها دائماً لتمنح العالم أسمى معاني السلام والأمان والترحاب .
