لم يكن جمال عبد الناصر مجرد رئيس دولة، بل كان رمزًا يختصر زمنًا كاملًا من الأحلام والانكسارات. رجلٌ حملته الجماهير على الأعناق كمنقذ، ثم خافت منه كسلطة مطلقة. هذه المفارقة وحدها تكفي لفتح الباب أمام قراءة مختلفة لشخصيته، قراءة لا تكتفي بالبعد السياسي، بل تتعمق في النفس الإنسانية، حيث يقف السؤال: هل يمكن أن يتقاطع القائد الكاريزمي مع ملامح السيكوبايثية؟
الكاريزما التي تأسر القلوب
عبد الناصر كان سيد الكلمة، يعرف متى يرفع صوته ومتى يخفضه، وكيف يحوّل خطابًا سياسيًا جافًا إلى موسيقى تشعل القلوب. حين قال:
> “لقد صبرت كثيرًا… ولكنني لا أستطيع أن أقبل أن تُملى على إرادة هذا الشعب أي إرادة أخرى.”
ارتجّت الميادين بالتصفيق، وشعر كل فرد أن كلماته موجهة له شخصيًا. تلك القدرة على خلق شعور بالانتماء كانت سلاحه الأهم؛ سلاح القائد الذي يقود بالأحلام.
السيكوبايثي في قلب السلطة
لكن وراء هذا السحر تكمن ملامح أخرى: قسوة في التعامل مع الخصوم، برود أمام معاناة المعارضين، وإصرار على فرض إرادته حتى لو كان الثمن سحق حريات جيل كامل. قال في إحدى لحظات التحدي:
> “الحرية لا تعني الفوضى… ونحن قادرون أن نُسكت أي صوت يخرج على إرادة الثورة.”
هذه الكلمات تكشف بوضوح الوجه الآخر: سلطة ترى في الاختلاف تهديدًا وجوديًا، وتتعامل معه بلا تردد أو رحمة. وهنا يتقاطع السياسي مع السيكوبايثي: عقل بارد، قرار قاطع، وانعدام حقيقي للتعاطف مع الخصم.
بين الحب والخوف
كان عبد الناصر “الأب” الذي تباهى به المصريون في مواجهة الاستعمار، لكنه أيضًا الأب الذي لا يُسمح بمساءلته. أحبه الشعب حتى الفناء، وخاف منه حتى الصمت. في خطاب التنحي عام 1967، قال:
> “لقد قررت أن أتنحى تمامًا ونهائيًا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي…”
وبكى الملايين، لا لأنهم فقدوا زعيمًا عادلًا، بل لأنهم فقدوا الأب الذي ربط مصيرهم بمصيره. هنا يظهر التناقض الجوهري: السيكوبايثي لا يملك قلبًا يشارك الآخرين ضعفهم، لكنه يعرف جيدًا كيف يملك عقولهم.
الخاتمة: إنسان أكبر من التوصيف
قد يبدو من السهل أن نضع عبد الناصر في خانة “البطل” أو “السيكوباثي”، لكن الحقيقة أن عظمته ومأساويته تنبعان من كونه الاثنين معًا. كان تجسيدًا لزمن حلم بالحرية ومارس القمع باسمها، زمن أحب الزعيم وخاف من سلطته. وهنا يظل عبد الناصر، لا كصفحة من الماضي، بل كمرآة نتأمل فيها حاضرنا: كيف نصنع قادتنا، وكيف نصنع أساطيرنا، وكيف نصنع في الوقت نفسه قيودنا.

