قبل أن أعاتب العالم، وقبل أن أفتح دفاتر الخسارات وأحصي من خذلوني، توقفت أمام سؤال أربكني أكثر من أي اعتراف آخر: متى كانت آخر مرة اعتذرت فيها لنفسي؟
ذلك السؤال الذي لا يطرحه علينا أحد، لأن الجميع منشغلون باعتذاراتنا لهم، بينما تظل النفس واقفة في آخر الصف، تنتظر كلمة إنصاف لا تأتي، واعتذارًا تأخر حتى أوشك العمر أن يمضي دونه.
لقد اعتذرت كثيرًا للآخرين. اعتذرت عن كلمة خرجت في لحظة غضب، وعن تأخير لم أقصده، وعن موقف لم يكن ذنبي كله. لكنني، في المقابل، لم أتذكر يومًا أنني التفت إلى نفسي لأقول لها: سامحيني… لقد قصرت في حقك كثيرًا.
أعتذر إليها لأنني حملتها فوق طاقتها، وأقنعتها أن الصبر يعني الصمت، وأن التضحية تعني التنازل، وأن الطيبة تعني السماح للجميع بعبور حدودها. أعتذر إليها لأنني كثيرًا ما كنت محامي الآخرين، وقاضيًا قاسيًا عليها.
أعتذر لنفسي عن الليالي التي سهرت فيها وهي مثقلة بالقلق، بينما كنت أبحث عن رضا الناس أكثر من بحثي عن سلامها. أعتذر لها عن أحلام دفنتها خوفًا من الفشل، وعن فرص تركتها خوفًا من كلام الآخرين، وعن مواهب أهملتها لأنني انشغلت بإثبات نفسي لمن لا يرونني أصلًا.
كم مرة جلدت نفسي بسبب خطأ صغير، بينما من أخطأوا في حقي غادروا حياتي دون أن يلتفتوا إلى آثار جراحهم؟ وكم مرة وقفت أمام المرآة أرى عيوبي فقط، متناسيًا كل ما أنجزته، وكأن نفسي لا تستحق كلمة تقدير، بل تستحق المزيد من اللوم والعقاب؟
المؤلم أن الإنسان قد يتحول مع الزمن إلى أكثر الناس قسوة على نفسه. يغفر للآخرين ظروفهم، لكنه لا يغفر لنفسه ضعفها. يلتمس الأعذار للجميع، إلا لها. يحتفي بنجاحات الآخرين، بينما يقلل من إنجازاته، وكأنه يعيش حياة لا يحق له أن يشعر فيها بالرضا.
ولعل أخطر ما نفعله بأنفسنا أننا نؤجل الاعتذار لها حتى نظن أن الوقت ما زال طويلًا. نؤجل الراحة، ونؤجل الفرح، ونؤجل الاهتمام بالصحة، ونؤجل الأحلام، ثم نكتشف متأخرين أن النفس التي أهملناها كانت تستحق منا قليلًا من الرحمة، لا كل هذا الاستنزاف.
إن الاعتذار للنفس ليس ضعفًا ولا ندمًا سلبيًا، بل هو بداية مصالحة حقيقية. إنه إعلان شجاع بأننا أخطأنا حين سمحنا للآخرين أن يحددوا قيمتنا، وحين جعلنا رضاهم معيارًا لسلامنا الداخلي. الاعتذار للنفس يعني أن نعترف بأننا لسنا آلات للعمل المستمر، ولا مشاريع لإرضاء الجميع، بل بشر نحتاج إلى الحب، والراحة، والتقدير، كما يحتاجها كل إنسان.
ولذلك، قررت أن أبدأ من جديد. سأعتذر لنفسي عن كل مرة خذلتها فيها، وعن كل حلم أجلته، وعن كل دمعة أخفيتها خلف ابتسامة مجاملة، وعن كل معركة خاضتها وحدها بينما كنت أطلب منها أن تتحمل أكثر.
وسأعدها بشيء واحد فقط: ألا أجعلها آخر من أهتم به بعد اليوم.
فربما لا يغير الاعتذار الماضي، لكنه يغير الإنسان الذي سيصنع المستقبل. وربما لا تمحو كلمة “آسف” كل ما فات، لكنها تعيد إلى القلب احترامًا افتقده طويلًا.
ولهذا، إذا سألتني اليوم: متى كانت آخر مرة اعتذرت فيها لنفسك؟ فسأجيب: لعلها هذه اللحظة… ولعلها أول اعتذار صادق منحني شعورًا بأنني عدت إلى نفسي، بعد غيابٍ طال أكثر مما ينبغي .. فاذا كنت مثلي فاعتذر لنفسك

